حماية للتراث أم تسليعه؟
يشقّ جلول غاكي، طريقه بين المنازل المتهدمة في قرية تمزرت بجنوب شرق تونس، تنعكس أشعة الشمس على الأنقاض، ولا يقطع الصمت سوى نهيق حمار، ويقول الرجل السبعيني الذي نشأ في القرية: "في تمزرت لا نملك شيئًا، العيادة تفتح أبوابها مرات قليلة فقط في الأسبوع، وبالنسبة للمسنين الذين يعانون أمراضًا مزمنة، فإن البقاء هنا لم يعد ممكنًا".
تقع تمزرت في جبال الظاهر، وهي قرية آخذة في الفراغ من سكانها، وبين الحين والآخر تنبض بالحياة مؤقتًا مع وصول حافلات تقلّ سياحًا يجذبهم الطابع الأمازيغي للقرية وثقافتها. ولا يزال هذا الإرث قائمًا بفضل الأمازيغ، السكان الأصليين لشمال أفريقيا وأجزاء من منطقة الساحل، وقد شكّلت الجبال والصحراء، حاجزًا طبيعيًا أمام الاندماج الكامل لهذه المجتمعات في الحضارات المتعاقبة.
يكتفي كثير من السياح بالتقاط صور سريعة، أو التوقف في المقاهي المخصصة للأجانب قبل متابعة رحلتهم، أما عشاق المشي الجبلي فيزورونها ضمن المسارات التي حددتها وكالة "ديستينيشن ظاهر" المعنية بالترويج للسياحة المستدامة.
وعلى الرغم من تزايد شعبية تمزرت كوجهة سياحية، فإن حياة سكانها لم تتغير كثيرًا، يقول غاكي: "الدولة غائبة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الأمازيغية. إذا لم نبنِ منازلنا وطرقنا بأيدينا، فسيضيع كل شيء، ومع ذلك نحن السكان الأصليون لهذا البلد. لا يُنظر إلينا إلا كمنتج سياحي يُستغل خلال موسم الصيف، لا أكثر ولا أقل".
وقد دفعت قلّة الفرص في القرية الأمازيغية، غاكي إلى الدراسة في تونس العاصمة، ولكن بعد مسيرة مهنية كموظف حكومي عاد مع زوجته إلى جنوب تونس، ليستقر في مدينة "مطماطة الجديدة" التي تبعد نحو عشرين دقيقة بالسيارة عن قريته الأصلية. واليوم لم يبقَ في تمزرت سوى نحو 400 نسمة موزعين على 95 أسرة، ويقول المسؤول الحكومي السابق: "أجبرت الظروف المناخية وسوق العمل معظم السكان على الهجرة إلى المدن التونسية الكبرى أو إلى الخارج".
وبالنسبة إلى تمزرت وغيرها من المناطق الهشّة، تمثل السياحة المحرك الاقتصادي الوحيد، لكنها بالنسبة إلى السكان تلعب دورًا متناقضًا، إذ تهدد بتحويل ثقافة عمرها آلاف السنين إلى عروض فولكلورية للسياح، في حين لا يستفيد الجميع من عائداتها الاقتصادية.
وتبلغ نسبة الفقر في معتمدية مطماطة، التي تتبع لها تمزرط، نحو 26.4% وفق أحدث خريطة للفقر الصادرة عام 2020، رغم التدفق الكبير للزوار على قرى مثل مطماطة وتمزرت، حيث تتجاوز نسب الإشغال في مرافق الإقامة 90%.
مساحة جديدة للأقليات بعد 2011
يشغل جلول غاكي حاليًا منصب الأمين العام للجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية (ATCA)، التي تأسست في مطماطة في أبريل/ نيسان 2011 بعد "ثورة الياسمين" التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، وفتحت المجال أمام الأقليات الثقافية والدينية للتعبير عن نفسها، ومن بين أهداف الجمعية الحفاظ على العمارة الأمازيغية.
ويشرح غاكي: "كانت الجدران تُبنى من رمل كلسي أبيض يُحرق مع بقايا الحيوانات، ما ينتج مادة تعادل الإسمنت الحديث. كل شيء كان محليًا: الحجارة، ومواد البناء، وجذوع النخيل المستخدمة في الأسقف"، غير أن هذا النموذج من العمارة التقليدية مهدد بالاندثار، إذ لا توجد خطة حكومية لحماية الجزء التاريخي من تمزرت.
وفي عام 2022 صُنفت قريتا زراوة وتوجان كبلديتين سياحيتين، ما أتاح لهما الاستفادة من صناديق حماية خاصة، بينما استُبعدت تمزرت من ذلك التصنيف، ويأمل سكانها أن تستفيد مستقبلًا من إدراج جبال الظاهر ضمن شبكة "اليونسكو" للمتنزهات الجيولوجية العالمية في أبريل/ نيسان الماضي.
وقد بدأت أولى موجات هجر القرية في سبعينيات القرن الماضي، عندما أطلق أول رئيس تونسي بعد الاستقلال الحبيب بورقيبة سياسات تهدف إلى تحديث البلاد وتوحيدها تحت هوية عربية إسلامية، وهو ما ترك هامشًا ضيقًا للغات والثقافات المحلية.
أمازيغ تونس يكافحون لاستعادة حقوقهم الثقافية المسلوبة
يقول أمازيغيون توانسة إن نظام بورقيبة ونظام بن علي سلبا من الأمازيغ "أجمل ما لديهم" في ثقافتهم، فهل تعيد ثورة الياسمين التونسية لأمازيغ تونس حقوقهم الثقافية؟ لينا شنك تبيِّن ذلك لموقع قنطرة.
وتقول آنا ماريا دي تولا، مؤسسة ورئيسة مركز الدراسات الأمازيغية بجامعة نابولي الشرقية: "كان إعلان الانتماء الأمازيغي يعني التعرض للتهميش والقمع، لذلك فضّل كثيرون عدم التصريح به"، وتضيف أن ذلك أدى إلى "طمس التاريخ والجذور الأمازيغية للبلاد"، وأسهم في حالة من النسيان الجماعي جعلت كثيرًا من التونسيين يبدأون سرد تاريخهم من الفتح العربي وأسلمة البلاد في القرن السابع.
ويشكل الحفاظ على اللغة الأمازيغية أحد أهم أهداف الجمعية، ولا توجد إحصاءات رسمية بشأن عدد الناطقين بها في تونس، فيما تتراوح التقديرات بين عشرة آلاف ومليون شخص.
ورغم بعض المكاسب التي تحققت للأقليات منذ عام 2011، تتهم الجمعية، الدولة التونسية بعرقلة جهودها لأسباب أيديولوجية، ويقول رئيسها كيلاني بوشهوة: "لا يريدون توفير الوسائل اللازمة للجمعيات من أجل الترويج للغة. الأمازيغية في حالة موت سريري حقيقي، ونحن معرضون لخطر فقدانها".
وعلى خلاف الجزائر والمغرب، لم تعترف تونس بعد بالأمازيغية لغةً رسمية، ومع ذلك لا تزال النقوش الأمازيغية حاضرة على جدران المنازل في قرى مثل تمزرت، للدلالة على ملكية العائلات.
السياحة كعمل عائلي
إلى أقصى الجنوب، تظهر النقوش نفسها في دويرات بولاية تطاوين، منحوتة على جدران المنازل في القرية المهجورة الآن، وكذلك وقصر الدويرات، وقد شكّل موقع القصر ميزة دفاعية استراتيجية للأمازيغ، كما استُخدم كمخزن جماعي لحفظ الحبوب والزيت والتمور.
يتذكر الطالبي جيدًا انتقال العائلات من القرية الجبلية إلى "القرية الحديثة" في الوادي، في إطار السياسات التي انتهجها بورقيبة بعد الاستقلال، فقد أُنشئت آنذاك تجمعات سكنية جديدة في السهول وربطت بشبكات المياه والكهرباء لتعزيز الاندماج وترسيخ فكرة الأمة الموحدة، مستلهمةً النموذج الإداري المركزي الذي خلّفه الاستعمار الفرنسي.
وبعد أن انتقل إلى القرية الحديثة في طفولته، عاد الطالبي إلى دويرت القديمة في سن العشرين ليعمل دليلًا سياحيًا ويبيع الحرف التقليدية، قبل أن يفتتح لاحقًا مقهى ومطعمًا وبيت ضيافة يؤمّن العمل لأفراد أسرته جميعًا.
ويقول: "في البداية كان لدينا ثلاث غرف فقط، من دون حمامات أو كهرباء. كان السياح يأتون بفرشهم وأكياس نومهم"، ومع تزايد أعداد الزوار، حوّل المنزل المتواضع إلى مكان يوفر جميع وسائل الراحة التي يتوقعها السياح اليوم.
وفي ظلّ غياب أيّ التزام حكومي جديّ بإحياء دويرت القديمة، نجح الطالبي، ولو جزئيًا، في تحويل قرية مهجورة إلى وجهة تستقبل السياح التونسيين والزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم بحثًا عن "الأصالة".
ويرى الطالبي أن الحفاظ على التراث الأمازيغي يعني أيضًا تعريف الزوار بعالمه الأصلي وإشراكهم فيه، ويقول: "أعتقد أن هذه الثقافة ستستمر هنا. صحيح أنها تعرّضت للتعريب مع مرور الزمن، لكن جذورها ما زالت أمازيغية بعمق. كثير من جوانب الحياة اليومية، كالزواج والعادات والطعام، لا تزال تحتفظ بهذا الإرث. الثقافة والهوية لم تختفيا، بل تطورتا".
ترجم النص من الإنجليزية بأدوات ترجمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي: محمد مجدي
قنطرة ©