سياسات الحياد
كوني أفغانيًا يعيش في ألمانيا، كان افتتاح مهرجان برلين السينمائي الدولي لعام 2026 بفيلم "لا رجال صالحون"، الذي تدور أحداثه في الأيام الأخيرة للجمهورية الأفغانية، لحظة تقدير هادئة. فقد حملت قصة مجتمع على حافة الانهيار، أُنتجت في المنفى وصاغها أشخاص نزحوا بدورهم بعد عام 2021، ثقلًا خاصًا لمن يشاهدون هذا الانهيار من بعيد.
ساعد دمج لقطات حقيقية من الأيام الأخيرة المضطربة لكابول مع مشاهد جرى إنتاجها في ألمانيا على طمس الخط الفاصل بين التوثيق والذاكرة، ومع وقوف الممثلين وطاقم العمل على خشبة المسرح في برلين، سُردت قصة فشل سياسي وقعت على بعد آلاف الكيلومترات داخل أحد أعرق المراكز الثقافية في أوروبا.
ولكن عندما اقترح رئيس لجنة التحكيم، فيم فيندرز، أن "ينبغي على صناع الأفلام الابتعاد عن السياسة"، كان من المستحيل تجاهل التناقض، فالفيلم الذي افتتح المهرجان كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياسة: إذ تناول انهيار الدولة، وقمع المرأة، وتداعيات التدخل الدولي. وقد استثمر الغرب بكثافة في تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان منذ غزو أفغانستان عام 2001، ووصفت المخرجة فيلمها بأنه "كوميديا رومانسية سياسية".
إذن، لم يكن السؤال هو ما إذا كان الفن سياسيًا، بل متى يُسمح بالاعتراف به كذلك؟ من يقرر أيّ الصراعات يمكن تأطيرها كمأساة أخلاقية وأيّها تُعتبر معقدة للغاية، أو ملحّة جدًا، أو مثيرة للجدل للغاية لدرجة لا تسمح بعرضها في المساحات الثقافية؟
إن ادعاء الحياد في حد ذاته سياسي، والحياد في المؤسسات الثقافية ليس غياب السياسة، بل هو التصميم الدقيق لحدودها.
صعود لافت على ساحة المهرجانات العالمية
يُفتتح مهرجان برلين السينمائي الدولي هذا العام بالفيلم الأفغاني "لا رجال صالحون" في سابقة لافتة، إذ نادرًا ما يحظى صُنّاع الأفلام الأفغان في ألمانيا بالاهتمام الكافي.
وقد برز توتر مماثل في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2023، عندما أعرب المنظمون، علنًا عن تضامنهم مع إسرائيل وأجلوا حفل توزيع جائزة الأدب "LiBeraturpreis" للكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، ورغم أن الجائزة لم تُسحب، إلا أن القرار أثار نقاشًا أوسع حول الحيز الثقافي والمواقف السياسية. ويرى بعض المراقبين، أن هذه الحادثة تُجسّد كيفية استجابة المؤسسات للحظات الأزمات بإعادة تقييم حضورها الإعلامي: بتضخيم أصوات معينة وتأجيل أخرى.
تجري هذه النقاشات الثقافية بالتزامن مع تصاعد الخلافات القانونية والأكاديمية في ألمانيا حول التزامات البلاد بموجب القانون الدولي ودورها في حرب غزة. وتُظهر الرسائل المفتوحة من الباحثين والموظفين الحكوميين وخبراء حقوق الإنسان مدى الاستقطاب الحاد الذي وصل إليه هذا الحوار، وتعمل المؤسسات الثقافية في ظلّ هذه البيئة المشحونة، حيث تُفسَّر عبارات التضامن أو النقد أو الحياد فورًا تفسيرًا قانونيًا أو دبلوماسيًا.
لم يقتصر التوتر المحيط بغزة على الأماكن الثقافية فحسب، بل امتد إلى الجامعات وقوانين الهجرة والمظاهرات العامة، حيث غالبًا ما يتم الحكم على مظاهر التضامن من منظور Staatsräson (مصلحة الدولة) الألمانية؛ في مثل هذا المناخ، تواجه المؤسسات الثقافية ضغوطًا متزايدة لتعريف موقفها بعناية، مع العلم أن الحياد نفسه سيخضع للتدقيق.
"الحرب الباردة الثقافية" مستمرة
برزت نقاشات داخل المؤسسات الثقافية الألمانية في الأشهر الأخيرة، تمحورت حول اللغة والحياد وحدود التعبير السياسي، وقد كشفت المناقشات المتعلقة بكيفية توصيف الحرب في غزة، وكيف يمكن للموظفين التفاعل معها علنًا، عن الضغوط المؤسسية التي ترافق الدبلوماسية الثقافية، وتؤكد هذه المناقشات أن المؤسسات الثقافية ليست منفصلة عن الواقع الجيوسياسي، بل هي جزء لا يتجزأ منه.
وأوضح موظف سابق في معهد غوته، كيف أن الاتصالات الداخلية تثني الموظفين عن استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" في الإشارة إلى غزة، في حين وصف الرئيس التنفيذي للمعهد صراحة المؤسسة بأنها أداة من أدوات القوة الناعمة ضمن "التفاعل بين السياسة والثقافة".
تجد المنظمات الألمانية الكبرى المموّلة من المال العام نفسها مضطرة إلى تحقيق توازن بين الاستقلال الفني من جهة، ومتطلبات السياسة الخارجية والعوامل السياسية الداخلية من جهة أخرى، ولطالما اعتُبرت الدبلوماسية الثقافية جزءًا لا يتجزأ من انخراط الدولة في علاقاتها الخارجية، إذ تربط التبادل الفني بالأهداف السياسية الأوسع. وعمليًا، لا يؤدي هذا بالضرورة إلى رقابة صريحة، بل ينتج عنه شكلٌ غير مباشر لتحديد الحدود: قرارات تتعلق بنبرة الخطاب، ومواضع التركيز، وتوقيت الطرح، وهي عوامل تشكّل الطريقة التي تُعرض بها النزاعات وأيّ السرديات يتم إبرازها.
هذا الاحتكاك ليس خللاً معاصرًا، بل هو إرثٌ لتقاليدٍ تُشكّل فيها الثقافة ركيزة أساسية للسياسة الخارجية، فما زلنا نعمل ضمن إطار "الحرب الباردة الثقافية"، حيث لم يكن توظيف الفن يومًا عملاً محايدًا هدفه التقدير، بل كان عرضًا مُنسقًا للقيم الليبرالية الغربية.
لكن اليوم، تقلص هذا التصور؛ إذ نرى شكلاً من أشكال "الحكومة الإنسانية"، وهو مصطلح صاغه عالم الأنثروبولوجيا ديدييه فاسين، حيث تحتفي المؤسسات بالفن الذي يتناول مآسي "عالمية" كأفغانستان، لأنها تنسجم مع تسلسل هرمي أخلاقي واضح. في هذه الروايات، تستطيع المؤسسة الغربية أن تؤدي دور المضيف المتعاطف بأمان، لكن عندما يدخل صراع كغزة في الصورة، ينهار الإجماع الإنساني.
وعندما تحافظ مؤسسة ما على مسافة أو تؤجّل مراسم معينة، فهي لا تتصرف بدافع الموضوعية، بل تختار إعطاء الأولوية لاستقرارها الدبلوماسي على حساب الطبيعة المتقلبة للحقيقة الفنية، وهذا الإرث من "الثقافة الاستراتيجية" لا يزال قائمًا حتى اليوم، لكن آلياته قد تغيرت.
صياغة الحياد
استُخدم الفن خلال الحرب الباردة لعرض صورة الحرية المطلقة، أما في الوقت الحاضر فكثيرًا ما يُستخدم لعرض صورة عن إجماع أخلاقي مطلق. وكما يوضح عالم الأنثروبولوجيا ديدييه فاسين في أعماله حول مفهوم "العقل الإنساني"، تُقدَّم بعض الأرواح بوصفها جديرة بالحزن عبر عدسة المأساة الإنسانية العالمية، بينما تُحجب أرواح أخرى خلف تعقيدات الجغرافيا السياسية المعاصرة، فعندما يُحتفى بفيلم يتناول كابول، فإنه يعزز سردية أخلاقية غربية مشتركة؛ أما عندما يُؤجَّل نقاش حول غزة، فذلك لأن هذه السردية نفسها تصبح موضع خلاف.
وكثيرًا ما تُصوَّر الصراعات، كالصراع في أفغانستان، في أوروبا على أنها حالات طوارئ أخلاقية تسمح بتضامن واضح نسبيًا، إذ يمكن إدانتها دون زعزعة التحالفات القائمة، أما الصراعات الأخرى، ولا سيما تلك التي تشمل شركاء دبلوماسيين مقربين، فتستدعي مزيدًا من الحذر. ولا يعكس هذا التمييز شدة المعاناة، بل التقارب السياسي بين الأطراف المعنية.
نظرة غربية متحيزة ضد الأدب العالمي؟
لا يزال ناشرو "الأدب العالمي" الألمان يعطون الأولوية للأعمال الغربية، فيما لا يحظى الكُتاب والمثقفون من خارج أوروبا والولايات المتحدة بالاهتمام الذي يستحقونه، وسط محدودية ترجمة أعمالهم.
إذ تتحرك المؤسسات الثقافية داخل بيئة يكون لكل تصريح علني فيها تبعات دبلوماسية، ومن ثمّ، قد لا تعكس ادعاءات الحياد اللامبالاة، بل نوعًا من إدارة المخاطر المؤسسية، ويتطلب الإقرار بذلك قدرًا من الوضوح، لا مجرد إدانة أخلاقية.
هذا يعني أن المؤسسات الثقافية لا تقف بمعزل عن السياسة، بل تُنظّمها، فهي تُحدّد القضايا التي يُمكن صياغتها كقضايا إنسانية عالمية، وتلك التي تُعامل كنزاعات سياسية. إنّ إدراك هذه الديناميكية لا يُضعف شرعيتها، بل على العكس، يُمكن أن يُعزّز المزيد من الشفافية، حول كيفية رسم هذه الحدود، ثقة الجمهور.
لن ينفصل الفن عن السياسة، ولا ينبغي له ذلك، والسؤال الأكثر إلحاحًا هو ما إذا كانت المؤسسات الثقافية قادرة على التفكير بصراحة في الأطر التي تعمل ضمنها، وفي عصر الاستقطاب المتزايد، قد تعتمد مصداقية الفضاءات الثقافية بشكل أقل على ادعاء الحياد، وبدرجة أكبر على استعدادها لدراسة كيفية صياغة هذا الحياد نفسه.
ترجمه من الإنجليزية: م. تايلور
قنطرة ©