حكاية حب معقد
يعرض مقطع فيديو مشاهد لأشخاص يرقصون: امرأة تدور في حلقة، وتهز وركيها، ورجلان يهزان صدريهما ضاحكين، وثالث يرتدي بذلة عمل يتمايل بإيقاع حول سيارته، وأشخاص يرتدون ملابس تقليدية يقفزون ويرقصون الدبكة.
تُعزف أغنية فرنسية من السبعينيات، تبدو وكأنها قصيدة للحياة: "أعيش على الحب والرقص. أعيش كما لو كنت في عطلة. أعيش كما لو كنت أبديًا، كما لو كانت الأخبار خالية من المشاكل".
ثم ينتقل المشهد فجأة، وتنتهي الأغنية بصورة حادة، وتُظهر الكاميرا منزلاً تتراكم أمامه أكوام من القمامة. تفتح امرأة الباب من الداخل، وتدفع أكياس القمامة جانبًا لتخرج، في مشهد يعود إلى أزمة القمامة التي عصفت بالعاصمة اللبنانية بيروت عام 2015.
يجسّد هذا المشهد استعارة مجازية عن الوضع في لبنان، كما تقول المخرجة لانا ضاهر: "لكل ما يتعفن تحت السطح ويتجاهله المسؤولون"، مضيفة أنه رغم وجود لحظات مرحة وخالية من الهموم في لبنان من حين لآخر، إلا أنه "في صباح اليوم التالي تستيقظ لتجد نفسك مضطرًا لمواجهة الواقع".
وقد تمكنت لانا ضاهر من نسج مقاطع فيديو كهذه في "هل تحبني؟"، ويأخذ الفيلم، الذي يُعرض في دور السينما الألمانية منذ السابع من مايو/أيار، المشاهد في رحلة عبر أرشيف السينما اللبنانية. وعلى مدى سنوات من العمل الدقيق، جمعت ضاهر عددًا كبيرًا من المقاطع السينمائية.
النتيجة هي لوحة مؤثرة تجسّد إحساس الحياة في لبنان: بين حب معقد للوطن ومشاكل متفاقمة يمكن أن تلحق بسكانه في أيّ وقت.
لبنان يبحث عن سردية مشتركة
وُلدت ضاهر في بيروت عام 1983، في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، وكانت في السادسة من عمرها عندما انتهت الحرب، لكنها ظلّت تبعاتها حاضرة طوال طفولتها ومراهقتها: من مباني المدينة المدمرة إلى ثقوب الرصاص في الجدران، رغم أنه لم يجرى مناقشتها أو الحديث عنها أبدًا.
"كنت أرى والدتي في حالة قلق وتوتر، لكن بدا أنها لم تربط ذلك بما مرّت به" تتذكر ضاهر، لافتة إلى أن صدمة سنوات الحرب في كثير من العائلات لم تُعالج، بل تُنقل إلى الجيل التالي.
كما أن لبنان قد طمس تاريخه على مستوى الدولة، فلا يوجد أرشيف وطني، وتقتصر دروس التاريخ في المدارس على الفترة التي سبقت الاستقلال عام 1943، ويستمر التنوع الديني والعرقي داخل المجتمع والحكومة اللبنانية في تعقيد البحث عن سردية مشتركة حول المظالم التي وقعت.
تشرح ضاهر: "لا يوجد كتاب تاريخي واحد موحد، لأن ذلك يعني اختيار منظور واحد". ولذلك، تقدّم في فيلمها رؤية مختلفة تمامًا للتاريخ: من خلال عدسات عدد لا يحصى من الكاميرات من عقود مختلفة، صورها مخرجون محترفون، وصحفيون، ومخرجون هواة.
وقد أمضت ضاهر ثماني سنوات في البحث والتنقيب في الأرشيف اللبناني: الجامعات ومحطات التلفزيون، ولدى الشخصيات الثقافية، والأفراد، كما فحصت ما مجموعه 20 ألف مادة من تسجيلات صوتية، وصور، وأفلام، وفيديوهات منزلية، وملفات بودكاست، ومقالات، "لقد كانت عملية طويلة وبطيئة للغاية"، تقول ضاهر، مضيفة أنها بحثت عن الأدلة المناسبة كعالمة آثار.
مئة عام من التاريخ اللبناني
والنتيجة؟ صورةٌ صادمةٌ لبلدٍ يتخبط من كارثةٍ إلى أخرى: حرب أهلية بين عامي 1975 و1990، واغتيالات سياسية في أوائل الألفية الثانية، وأزمة اقتصادية مستمرة وانقطاع متكرر للتيار الكهربائي، واحتجاجات جماهيرية ضد الفساد وسوء الإدارة، وجائحة كوفيد-19، وانفجار مرفأ لبنان عام 2020، وحروب متكررة مع إسرائيل، كما يؤثر التصعيد الأخير بين إسرائيل وحزب الله بشكلٍ متفاوت على السكان المدنيين اللبنانيين.
تشرح ضاهر: "عرضتُ العديد من المقاطع القصيرة التي تُظهر اللحظات الصعبة في تاريخنا، ليس لإعادة صدمة الناس أو استحضار ذكريات مؤلمة، بل لأقول: لقد حدث هذا وتجاوزناه".
كما أرادت المخرجة التذكير بأن العدالة لم تتحقق حتى الآن، ولم يُحاسب أحد على أيّ شيء، "ويدفع الناس العاديون ثمن ذلك باستمرار".
إلا أن الصور، من تاريخ لبنان الممتد على مدى مئة عام، تتداخل بانسيابية في فيلم "هل تحبني؟"، وكأن العقود التي تفصل بينها غير موجودة، والشخصيات الرئيسية التي تظهر فيه، سواء كانت خيالية أم حقيقية، ليست مختلفة عن بعضها البعض.
وسواء كانوا يحدقون في البحر أم من نافذة السيارة، فإن أشواقهم تبدو واحدة، وعندما يسيرون بين المباني المدمرة التي كانت منازلهم، لا يتضح ما إذا كان الدمار ناجمًا عن حرب أهلية، أو غارات جوية إسرائيلية، أو انفجار الميناء - فالصدمة واحدة.
"رحلت؟ إلى أين؟"
ما الذي يجمع كل هؤلاء الناس؟ تجيب ضاهر: "حب هذا المكان، حب معقد. الحياة في لبنان لا يمكن التنبؤ بها. إنها أشبه برحلة متقلبة بين السلام والحرب. لا تعرف أبدًا متى سيتغير كل شيء فجأة".
كثير من اللبنانيين، بحسب الفيلم، لم يعودوا قادرين على تحمّل هذا الواقع المضطرب، فيختارون الهجرة، ويعكس العمل هذا الشعور عبر مشاهد متكررة للوداع؛ دموع، وعناقات طويلة، وطائرات تقلع، إضافة إلى امرأة تقول: "علينا أن نرحل"، ليرد عليها رجل متسائلًا: "نرحل؟ إلى أين؟".
وتشير ضاهر إلى أن عددًا كبيرًا من صديقاتها غادرن لبنان، لكنها ما تزال متمسكة بالبقاء رغم كل المخاطر، لأن بيروت تمثل موطنها. وترى، بصفتها فنانة، أن لهذه الظروف القاسية جانبًا إيجابيًا، إذ "تُنمّي الإبداع وتُحفّز النمو". ويوظف كثيرون في الوسط الثقافي هذه التجارب لإنتاج أعمال فنية تعبّر عن واقعهم، كما فعلت هي في فيلمها الجديد، "تصوير هذا المكان بصدق لم يكن ممكنًا لولا أنني بقيت هنا".
"هل تحبني؟"
فرنسا، ولبنان، وألمانيا، وقطر 2025
اللغات الأصلية: العربية، والفرنسية، والإنجليزية
المخرجة: لانا ضاهر
المدة: 75 دقيقة.
ترجمه من الألمانية: م. تايلور
قنطرة ©