هل فقد أقوى هيكل نقابي نفوذه في السياسة التونسية؟

ورفع المشاركون في الاحتجاج العلم التونسي ولافتات تطالب بالحقوق النقابية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.
سقوط حر: يواجه اتحاد الشغل التونسي، الحائز على جائزة نوبل للسلام، تحديات غير مسبوقة تهدد مستقبله. (Photo: Picture Alliance/ ZUMA Press Wire/ H. Mrad)

يعاني الاتحاد العام التونسي للشغل، من انقسامات داخلية وتراجعًا في نفوذه السياسي والاجتماعي الذي اكتسبه بعد الثورة التونسية. فما طبيعة الأزمة الداخلية التي دبت بالمنظمة؟ وكيف استفاد منها الرئيس التونسي قيس سعيد؟

الكاتبة ، الكاتب: محمد رجب

ضربت أزمة داخلية أقوى هيكل نقابيّ في تونس وسط ارتفاع أصوات معارضة تنادي برحيل القيادة الحالية، وانتخاب قيادة جديدة تُعيد دوره السياسي والاجتماعي في تونس. بدأت الأزمة بعد إعلان خمسة أعضاء بالمكتب التنفيذي للاتحاد، نهاية ديسمبر/كانون الأول، انشقاقهم عن المكتب التنفيذي الذي يضم 15 عضوًا، مطالبين بضرورة تقديم موعد المؤتمر العام للمنظمة العمالية المزمع عقده خلال 2027، إلى منتصف العام الجاري.  

وطالب المنشقون، بإنهاء ما وصفوه بـ"حالة الضعف"، التي وصل إليها الاتحاد خلال السنوات الثلاث الماضية، مما أدى إلى فقدان بريقه لدى التونسيين. وسرعان ما أعلنوا تشكيل جبهة معارضة داخل الاتحاد. ومنذ يناير/كانون الثاني، تنظّم الجبهة، اعتصامًا مفتوحًا دخل شهره الثاني أمام مقر المركزية النقابية، داعين إلى رحيل المكتب التنفيذي الحالية برئاسة الأمين العام نور الدين الطبوبي، متهمين إياه بالسعي إلى "الاستبداد بقيادة المنظمة".

وقال الطيب بوعائشة، الناطق باسم المعارضة النقابية، إنّ الاعتصام جاء نتيجة تفاقم الأزمة التي تهدد مستقبل المنظمة النقابية، معتبرًا أن الاتحاد في حالة شلل تام تتطلب تحركًا قويًا لإنهاء هذا الضعف.   

وشدّد بوعائشة، لـ"قنطرة"، على 'استقلالية العمل النقابيّ ورفض تدخّل السلطة في الشأن الداخلي للاتحاد"، مشيرًا إلى أنّ القيادة الحالية للمركزية النقابية باتت تشكّل عبئًا ثقيلًا على النقابيين، وبالتالي وجب العمل من أجل رحيلها ومحاسبتها.   

Here you can access external content. Click to view.

وتعود بوادر الأزمة داخل اتحاد الشغل إلى المؤتمر الاستثنائي الذي عُقد عام 2021، بمدينة سوسة وسط تونس، حيث جرى تعديل الفصل 20 من القانون الأساسي للمنظمة، الذي يحددّ فترة انتخاب أعضاء المكتب التنفيذي والأمانة العامة للاتحاد. وأتاح التعديل لأعضاء المكتب التنفيذي، الترّشح على المنصب لفترات متتالية بعد أن كان محددًا لفترتين فقط.

ومكّن التعديل، في العام التالي، الأمين العام نور الدين الطبوبي، من الترّشح لرئاسة المنظمة لفترة ثانية حتى عام 2027، وهو ما مثّل بداية الشرخ الحقيقي بين القيادة الحالية للاتحاد والنقابيين.

وتأسّس الاتحاد العام التونسي للشغل، عام 1946، على يد الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد، ولعب دورًا بارزًا في دعم الحبيب بورقيبة (1903-2000)، الذي قاد حركة التحرر الوطني من الاستعمار الفرنسي عام 1956. ومنذ ذلك الحين، بنى الاتحاد سمعته السياسية والاجتماعية. خاصة في الدور التاريخي الذي لعبه عقب الإطاحة بالرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي إبّان الربيع العربي في تونس عام 2011، إذ قاد حوارًا وطنيًا أفضى إلى إصدار دستورٍ جديدٍ للبلاد، وتشكيل حكومة تكنوقراط في يناير/كانون ثاني 2014.

ونال الاتحاد، الذي يضمّ نحو 500 ألف عضوٍ، جائرة نوبل للسّلام لعام 2015 إلى جانب 3 منظمات تونسية عريقة، لدورهم في إطلاق "عملية سياسية بديلة وسلمية في وقتٍ كانت فيه البلاد على شفير حرب أهلية"، كما ذكرت لجنة الجائزة وقتئذ. 

صدام مع الرئيس

منذ ذلك الحين، شكّل اتحاد الشغل، القوّةً الأكبر في تونس، وصل حدّ التدخل في أهمّ القرارات السياسية بما في ذلك عملية اختيار رؤساء الحكومات، والوزراء، الذي أدخل الاتحاد لاحقًا في صدامٍ مع الرئيس التونسي قيس سعيد الذي أحكم قبضته على البلاد منذ انتخابه نهاية 2019. 

يعتقد النقابيون، أنّ السلطة الحالية هي المستفيد الأكبر من الأزمة الداخلية التي يمرّ بها اتحاد الشغل، علاوة على الخلافات الحادة داخل المكتب التنفيذي حول كيفية التعامل مع السلطة.

وعزا مراقبون للشأن الداخلي التونسي حالة الضعف والصراعات الداخلية التي يعيشها الاتحاد العام التونسي للشغل، في جزءٍ منها، إلى رغبة الرئيس قيس سعيد في الحدّ من تدخّله في الشأن السياسي والاجتماعي.  

يرى المحلل السياسي التونسي الحبيب بوعجيلة، أن سعيد أدرك ما أصبح يمثّله الاتحاد من خطرٍ على كلّ من يريد إنفاذ سلطته من داخل الدولة، فاتّجه بشكل واضحٍ إلى تحييده، ثمّ إجباره على الصّمت.

في عام 2021، أقال سعيد، الحكومة وعلّق مجلس النواب وجرّد البرلمانيين من الحصانة، ورفض التعامل مع الأجسام الوسيطة من أحزابٍ سياسيةٍ، ومنظمات نقابية، وجمعيات مدنية، التي اتهمها أنها تقف في وجه كلّ إصلاح.  

كما اعتقلت السلطات، العشرات من أعضاء الاتحاد بذريعة ارتكاب جرائم "فساد وتدليس، وتلاعب بأموال نقابيّة"، التي اعتبرها الطبوبي: "انتهاكاتٍ خطيرة للحريات النقابية في تونس على خلفية ممارسة النقابيين لحقوقهم"، و"خرقًا من الدولة للدستور والاتفاقيات والمواثيق الدولية".  

في الوقت نفسه، سعت حكومة سعيد، لسحب البساط شيئًا فشيئًا من تحت اتحاد الشغل، لصالح الاعتراف بمنظّمات نقابية موازية. وقال سعيد في فبراير/شباط من العام الماضي، إنّ "الحقّ النّقابيّ مضمون بالدستور، لكنه حقٌّ لا يمكن أن يتحوّل إلى غطاء لمآرب سياسية لم تَعُدْ تخفَى على أحد"، في إشارة إلى الإضرابات النقابية التي نفذها اتحاد الشغل آنذاك.  

كانت تلك رسالة سعيد لاتحاد الشغل بأنّ زمن نفوذه الواسع قد انتهى، وأنّ السلطة يجب أن تتركّز في يد الرئيس وفق نظام رئاسيّ، بدعوى محاربة الفساد وإقامة دولة اجتماعيّة جديدة تقطع مع الماضي، بحسب بوعجيلة.  

يقول بوعجيلة، إنّ تلك الخطوات أعادت اتحاد الشغل إلى موقع التّبعيّة للسلطة والمسايرة لتنتهي بذلك عشر سنوات من النفوذ، كان خلالها أحد الحكام الفعليين في تونس دون أن يكون جزءًا مباشرًا من السلطة.  

يضيف بوعجيلة، أنّ اتحاد الشغل لم يشهد وضعًا من الشّلل والضعف والهوان قدر ما شهده في علاقته بالرئيس قيس سعيد. 

لكن رغم الاتّهامات التي يوجّهها النقابيون إلى السلطة القائمة بالوقوف وراء التجاذبات التي يعيشها الاتحاد، فإنّ تونسيين يعتقدون أنّ اتحاد الشغل، رغم دوره الرائد في الثورة التونسية، قد بالغ في تدخله في الشأن السياسي، وعرقل العديد من القرارات الهامة من خلال تنفيذ آلاف الإضرابات وتعطيل العمل، الذي أدى إلى إغلاق العديد من المؤسسات وهروب المستثمرين إلى دول أخرى. 

ما هي الخطوة المقبلة؟ 

زادت الانقسامات التي دبّت في جسم الاتحاد منذ تعديل الفصل 20 من القانون الأساسي الطين بلة، وهو ما أدى إلى تهميش دور المنظمة. ورفض أمين عام الاتحاد نور الدين الطبوبي، مطالب المعارضة بعقد المؤتمر العام للاتحاد في 2025 لاختيار أمانة جديدة، بدلًا من الانتظار حتى 2027. 

ونتيجة لذلك، يواصل أعضاء المكتب التنفيذي الخمسة اعتصامهم المفتوح، من أجل تنفيذ مطالبهم، وباءت محاولات بعض الجمعيات المدنية والأحزاب السياسية بالتوسّط بين الطرفين بالفشل.  

وقال أنور بن قدور، عضو المكتب التنفيذي وأحد القادة المنشقّين، إنّ "هناك مجالًا للتدارك وإصلاح الأوضاع وإعادتها إلى نصابها"؛ بشرط موافقة بقية أعضاء المكتب التنفيذي على رغبة غالبية النقابيين.   

وحول الخطوات القادمة للمعارضة، أكد بن قدور أنّ "كلّ الاحتمالات تظل قائمةً، بما في ذلك الدخول في اعتصامٍ مفتوح، كما أنّ بعض الاتحادات المتمركزة في المحافظات، عبّرت عن رغبتها في قطع علاقتها مع المكتب التنفيذي الحالي"، حال عدم استجابته لمطالب جبهة المعارضة.  

فيما يقول المحلل السياسي بو عجيلة، إنّه بإمكان المنظمة النقابية أن تكون في قلب المشهد القادم إذا أحسنت انتقالها القيادي، دون ذلك، سيفقد الاتحاد تأثيره ليس فقط سياسيًا، بل وحتى اجتماعيًا، وسيجد نفسه مُجبرًا على التماهي مع الفعل النقابي والمدني، الذي فرضه عليه قيس سعيد.  

قنطرة ©