"يمكن ممارسة الشعائر الدينية في أي مكان"
المناقشات
قنطرة: "نيغاه"، لقد أجريتِ مقارنة بين الممارسات الروحية للصوفيين في كل من ألمانيا والمغرب، وكيف يدمجون إيمانهم في حياتهم اليومية. واليوم، تقدمين معرضًا حول مجتمع محلي في مدينة فرانكفورت الألمانية. من هؤلاء الأشخاص؟ وما هي قصتهم؟
نيغاه أنغا: ينتمي هذا المجتمع إلى "مكتب الطريقة الأويسية شاه مقصودي" (MTO)، وهي مدرسة صوفية ذات جذور عميقة في إيران يعود نسبها الروحي إلى أويس القرني، الذي عاصر النبي محمدًا قبل نحو 1400 عام. توسعت هذه المدرسة على المستوى الدولي خلال القرن العشرين، وهي موجودة في ألمانيا منذ أكثر من أربعة عقود.
اليوم، يضم مجتمع فرانكفورت نحو 50 عضوًا نشطًا من خلفيات إيرانية وألمانية وجنسيات أخرى متنوعة. وتتداخل هذه الهويات؛ فالأمر لا يقتصر ببساطة على وجود مجتمع إيراني من جهة، ومشاركين ألمان من جهة أخرى.
افتُتح هذا العام مركز جديد للمجتمع في منطقة فرانكفورت-إشرسهايم. وقد بُذل فيه الكثير من العمل التطوعي، وهو أمر يعكس بوضوح روح هذا المجتمع؛ إذ صُمم ليكون "بيت التواصل" (Haus der Begegnung). وتُعد فنون المرايا الفارسية، والخط العربي والفارسي، والموسيقى جزءًا من هويته، إلى جانب أنشطة أخرى تشمل التأمل، والحوارات بين الأديان، والمبادرات المجتمعية المحلية.
وكمصورة، أهتم بكيفية تحول هذه التقاليد التاريخية إلى جزء من واقع الحياة المعاصرة. ولا تقتصر القصة هنا على الحفاظ على التراث الإيراني في الخارج فحسب، بل تتعلق أيضًا بالأشخاص الذين جعلوا هذا التراث جزءًا لا يتجزأ من مدينة فرانكفورت.
تقارنين في عملكِ الأكاديمي بين المجتمعات الصوفية في ألمانيا والمغرب. هل ثمة نمط ألماني محدد لممارسة التصوف؟
يُعدّ سياق الأقلية أو الأغلبية عاملًا مهمًا. ففي ألمانيا، قد تجد جماعة مثل "مكتب الطريقة الأويسية شاه مقصودي" (MTO) نفسها مضطرة لشرح ممارساتها للجيران، والمؤسسات العامة، والأشخاص الذين يتعرفون على التصوف لأول مرة. أما في المغرب، فقد ركز بحثي على الممارسات ضمن بيئة اجتماعية تشكل فيها الغالبية مسلمين. لكن هذا لا يعني وجود فهم واحد أو متفق عليه للتصوف.
ما يثير اهتمامي هو الكيفية التي تتجسد بها الالتزامات الداخلية في السلوك والممارسات الظاهرة في ظلّ ظروف مختلفة؛ من الناس الذين يتفهمون مسؤوليتهم تجاه أنفسهم، وكيف ينظمون هذه المسؤولية، وكيف تنتقل الممارسات من جيل إلى آخر. تكشف دراسة هذه الجوانب الكثير، وهي أكثر دلالة من محاولة تحديد "تصوف ألماني" مقابل "تصوف مغربي" كنموذجين ثابتين.
هل يمكنكِ اطلاعنا على معرضكِ الذي أقيم في الفترة بين 16 و22 أكتوبر/ تشرين أول؟
يضمّ المعرض صورًا فوتوغرافية وعناصر تفاعلية، فهو المعرض الأول الذي أعرض فيه أعمالي المصورة، وأتولى تنسيقه. يجمع المعرض بين صوري وصور زميلين مصورين، هما آرام نوروزي ومهدي فرفاني. وقد حصلنا على تمويل ودعم من حكومة ولاية هيسن، وننظم هذا المعرض بالتعاون مع "أكاديمية الإسلام في البحث والمجتمع" (AIWG) التابعة لجامعة غوته في فرانكفورت.
ليس من السهل تجسيد التصوف أو الروحانية بشكل عام في صورة فوتوغرافية؛ فهي تتعلق بما يدور في أعماق المرء، ولا يظهر بالضرورة على السطح. كيف تمكنتِ إذن من التقاط الجانب الروحاني في صورك؟
لقد وضعت يدك على نقطة مثيرة للاهتمام؛ فالهدف هو جعل المعرض متاحًا ومفهومًا للجميع؛ سواء كان الزائر ملحدًا، أو شخصًا على دراية بالإسلام أو التصوف، أو حتى مجرد فردٍ فضوليٍّ تصادف مروره بجوار قاعة "رومر هاله" (Römerhalle) وتساءل عما يدور بداخلها. وهذا يعيدنا إلى سؤالك السابق: أيّ صورة يمكنها إيصال رسالة حول التصوف، وتحديدًا التصوف في مدينة فرانكفورت؟
هذا أمر بالغ الصعوبة، فلا يمكنني الادعاء بأنني نجحت في التقاط "روحانية" شخص ما؛ أردتُ أن يكون المعرض في متناول الجميع، من دون الإيحاء بأن مجرد النظر إلى شخصٍ ما يمنحنا معرفةً كاملةً بحقيقته.
كيف حققتِ ذلك؟
قضينا وقتًا طويلًا في المراقبة والتقاط الصور، ثم اخترنا مجموعة من اللقطات التي تشكّل معًا الرسالة التي نود إيصالها. على سبيل المثال، ضمّ المعرض صورتين للشخص ذاته: واحدة تظهره في حياته المهنية اليومية، والأخرى أثناء ممارسته لطقوسه الروحية. ومن هنا جاء عنوان المعرض: "ما يُرى وما لا يُرى: الحياة الصوفية في فرانكفورت". فهو يعبّر عما تراه وما لا تراه حين تلتقي بشخصٍ ما في حياتك اليومية، إذ يعتمد ذلك على اللحظة التي تراه فيها؛ سواء كان ذلك في سياق العمل أو أثناء ممارسته لجانبه الروحاني.
هنالك صورة لافتة لمن يمارسون "السّماع" الصوفي على أحد الجسور في فرانكفورت. بالنسبة لي، توحي هذه الصورة بقدر كبير من الانفتاح والحرية. ما قصتها؟
هذه الصورة مأخوذة من فيلم صُوِّر على جسر "أوستهافن" (Osthafenbrücke) في فرانكفورت، الذي عُرض أيضًا ضمن المعرض. تظهر في الصورة مجموعة من أعضاء فرقة "زنده دلان" (Zendeh Delan) الصوفية التابعة لجمعية "مكتب الطريقة الأويسية شاه مقصودي" (MTO) وهم يؤدون طقوس "السّماع"؛ وهي ممارسة تعتمد على الاستماع وتتجلى هنا من خلال الحركة. يضع الجسرُ هذه الممارسة الصوفية في قلب مشهد حضري مألوف؛ فقد أردنا أن نُظهر للناس أن هذه الممارسة يمكن أن تحدث في أي مكان، سواء في الفضاء العام أو الخاص.
هل تمارسين التصوف بنفسك؟
نعم، أمارسه. لذا، فأنا أمتلك رؤية تجمع بين منظور الشخص المطلع من الداخل ومنظور المراقب من الخارج. أنا أمارس التصوف وفق الطريقة الأويسية، لكنني لستُ جزءًا من الحياة اليومية لهذا المجتمع المحلي بعينه. يمنحني هذا نوعًا من الألفة، دون أن يجعل كل تجربة مألوفة بالضرورة. يتطلب البحث مني طرح الأسئلة بدلًا من افتراض أنني أفهم الأمور مسبقًا. أتنقّل بين المشاركة والملاحظة، وأحرص على أن يكون هذا الموقع واضحًا وصريحًا.
أنتِ لستِ مجرد أكاديمية تترجم أبحاثها إلى سردية بصرية فحسب، بل سبق لكِ أيضًا تقديم المشورة للحكومة الأمريكية. أتخيل أن المقابلات التي تجريها تتناول عادةً قضايا مختلفة تمامًا، لا سيما في الوقت الراهن، بصفتك خبيرةً في السياسة الخارجية من أصول إيرانية-أمريكية.
عملت في مجال السياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي، حيث تكتسب المعرفة أهمية بالغة، وكذلك الالتزام والثقة. يبحث عملي في أطروحة الدكتوراه هذه المفاهيم على نطاق أكثر حميمية؛ أي كيف يفهم الأفراد التزاماتهم تجاه بعضهم البعض، وكيف يشكل هذا الفهم حياتهم اليومية. وينعكس هذا أيضًا في أعمالي الفوتوغرافية.
كما أنني عضو في مجلس إدارة "متحف الفن والثقافة الصوفية" (MACS MTO) في مدينة شاتو، بالقرب من باريس، وهو متحف مخصص للتصوف. وهناك، نطرح تساؤلات أخرى حول كيفية إدراك الجمهور للتصوف، وللفن والثقافة الصوفية. وما يجمع بين كل هذه الأنشطة هو اهتمامي العميق ببناء السلام، وكيف يمكن للناس أن يعيشوا معًا في وئام.
لنعد إلى معرضكِ في فرانكفورت. حين يقدم شخص منخرط في الشأن السياسي مثلك معرضًا كهذا، فلا بد أن يحمل في طياته رسالة سياسية، أليس كذلك؟
بالنسبة لي، تكمن المسألة السياسية في التساؤل حول من يحق له الظهور كجزء طبيعي من حياة المدينة، بدلًا من أن يُختزل دائمًا في كونه موضوعًا للنقاش أو الجدل. فعندما يجري تناول حياة المسلمين في المقام الأول من خلال قضايا الاندماج، أو الأمن، أو الاختلاف الثقافي، يبرز خطر تلاشي الأفراد خلف هذه التصنيفات. لقد أردتُ لهذا المعرض أن يطرح نقطة انطلاق مختلفة، دون ادعاء أن القضايا السياسية الأوسع غير موجودة.
ووضعت إقامة المعرض في قاعة "رومرهاله" (Römerhalle) هذا الحوار في فضاء مدني عام؛ إذ لا يتطلب الأمر من الزوار تبني معتقدات المشاركين لكي يتفاعلوا مع تفاصيل حياتهم. كما أن الانتماء لا ينبغي أن يكون مشروطًا بإثبات أن مجتمعًا ما يتسم بالانسجام التام، أو النفعية، أو كونه باعثًا على الطمأنينة. وأنا أرفض تمامًا تصوير التصوف كنموذج لـ "الإسلام المقبول" الذي يُستخدم كمعيار للحكم على المسلمين الآخرين.
وبحكم خلفيتي في العمل السياسي، أتعامل بحذر مع فكرة أن المعرض قادر على حلّ الانقسامات السياسية؛ فالصور لا يمكنها أن تحل محل الحقوق، أو المؤسسات، أو الدعم المادي الملموس. لكنها في المقابل تجعل من الصعب الاستمرار في تبني سرديات تبسيطية، وتخلق مساحة تتيح للأفراد طرح الأسئلة على بعضهم البعض.
وهذا هو نوع الجسر الذي أطمح إليه: ليس اتفاقًا تفرضه صورة ما، بل إتاحة الفرصة للقاءٍ يتسم بمزيد من الاهتمام والإنصات المتبادل.
نبذة عن المعرض: أقيم المعرض "ما يُرى وما لا يُرى" (Seen and Unseen) في قاعة "رومرهاله" بفرانكفورت، في الفترة من 16 إلى 22 أكتوبر/ تشرين أول، بتنظيم من جمعية "مكتب الطريقة الأويسية شاه مقصودى" (MTO) الصوفية، وبدعم من وزارة العلوم والبحث والفنون والثقافة في ولاية هيسن، ومكتب الشؤون متعددة الثقافات في مدينة فرانكفورت، وبمشاركة أكاديمية من "الأكاديمية الألمانية للبحوث في الإسلام والمجتمع" (AIWG) التابعة لجامعة غوته في فرانكفورت.
ترجمته من الإنجليزية: سارة عرفة
قنطرة ©