بين الإرث الاستعماري والتصنيفات الجديدة
يتخذ متحف الفنون والحِرف في هامبورغ (MK&G) الواقع على بُعد خطوات من محطة القطارات المركزية مسارًا جديدًا في تقديم مجموعاته الفنية، ففي طابقه الأول، يقود باب زجاجي يحمل اسم "سوانا" (SWANA)، وهو اختصار لمسمّى منطقة "جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا"، إلى معرض لمجموعة من المقتنيات يمتد تاريخها من القرن السابع الميلادي مع بدايات انتشار الإسلام وصولًا إلى الوقت الحاضر.
كانت المجموعة تُقدَّم سابقًا تحت اسم "الفن الإسلامي"، قبل أن يُعيد المتحف، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، افتتاحها تحت مسمّاها الجديد "سوانا"، ليصبح بذلك أول متحف في العالم يعتمد هذه التسمية.
تقول ويبكه شرابه، التي أشرفت على تنسيق عرض المجموعة مع ياسمين هولتكوتَر: "كان رائعًا أن نلاحظ كيف غيّر المصطلح طريقة تفكيرنا بالكامل". إذ أرادت أمينتا المعرض، تقديم المجموعة تحت اسم يتسم بقدر أكبر من الحياد، ولا سيما في ظلّ تعاملهما المتزايد مع الأصول الاستعمارية لمقتنيات المتحف.
وتوضحان أن الكثير من الأشياء تظهر في سياق جديد عند الابتعاد عن المنظور الأوروبي، بما في ذلك مصطلحات في تاريخ الفن مثل "الشرق" و"الأرابيسك"، التي جاءت أصلًا من خلال النظرة الأوروبية.
كما تشيران إلى أن العديد من الفنانين المعاصرين لا يرغبون في عرض أعمالهم تحت الشعار القديم "الفن الإسلامي"؛ فمجرد ارتباط شخص بمنطقة ثقافية توصف بأنها "إسلامية" لا يعني أنه نشأ مسلمًا، ولا يعني بالضرورة أنه يتماهى ثقافيًا أو سياسيًا أو فنيًا مع هذا التصنيف.
"لا أحد يعرف ما هي سوانا"
ننتقل إلى برلين، حيث متحف بيرغامون الواقع في جزيرة المتاحف على نهر شبريه بوسط العاصمة. وتوجد المقتنيات القادمة من دول غرب آسيا وشمال أفريقيا، بصورة أساسية، في متحفين: متحف الشرق الأدنى، الذي يضم أعمالًا فنية تعود إلى ما قبل ظهور الإسلام، ومتحف الفن الإسلامي، الذي يضم مقتنيات من الخلافات الإسلامية المتعاقبة بين القرنين السابع والتاسع عشر الميلاديين.
يرى ستيفان فيبر، مدير متحف الفن الإسلامي، أن وصف الفن بـ"الإسلامي" لا يعني بالضرورة أنه فن ديني، بل يشير إلى فن نشأ في إطار منطقة ثقافية، تشمل بصورة أساسية، أجزاءً من جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، لكنها تمتد أيضًا إلى جنوب إسبانيا، حيث خضعت أجزاء من البلاد للحكم الإسلامي لنحو 800 عام، وإلى الهند، التي حكمها سلاطين وأباطرة مسلمون من سلالات مختلفة في فترات متعاقبة.
وتعتبر واجهة قصر المشتى، القادمة من الأردن الحالية، من بين القطع التي شكّلت نواة المجموعة عام 1904. وكان السلطان العثماني، الذي كانت دولته تعاني آنذاك من الضعف، قد أهدى الواجهة التي يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار وطولها نحو 33 مترًا إلى الإمبراطور الألماني قبل ذلك بعام في 1903.
ومن هنا برز سؤال أساسي في تطور دراسة الفن والتاريخ الثقافي الإسلامي في ألمانيا: هل كانت واجهة القصر التي تعود إلى القرن الثامن مُصنفة كقطعة تعود إلى "العصور القديمة المتأخرة" أم إلى "العصر الإسلامي المبكر"؟ وقد اختار متحف القيصر فريدريش، آنذاك تصنيفها ضمن "الفن الإسلامي المبكر"، ما أسهم بصورة كبيرة في ترسيخ الفن الإسلامي كحقبة مستقلة في تاريخ الفن.
ويخضع متحف بيرغامون للترميم منذ عام 2023، ومن المقرر أن يفتح متحف الفن الإسلامي أبوابه مجددًا عام 2027 في الجناح الشمالي، الذي سيضم 26 قاعة. ويقول المدير فيبر في مقال حول تصوره الجديد للمتحف،: "الهجرة هي أم جميع ثقافاتنا، والتنوع الثقافي شرط للتقدم، والتبادل الثقافي محركه".
يهدف التنسيق الجديد للمعرض الآن إلى نقل هذه الرسالة: سيبقى الترتيب الزمني كما هو، لكنه سيستند بدلًا من عصور الخلافة إلى الحقب التاريخية، وسينتقل الفن الإسلامي المبكر ليصبح أقرب إلى المقتنيات اليونانية والرومانية والبيزنطية داخل المتحف.
وسيتمكن الزوار من التجول داخل غرفة استقبال من حلب تعود إلى القرن السابع عشر، بينما يستنشقون رائحة الياسمين المنبعثة من موزع للعطور، وفي قاعات جديدة، سيتمكنون من التحرك عبر الزمن والمكان باستخدام خرائط متحركة، ومتابعة مسارات انتقال الكنوز الفنية، التي ترمز إليها الأسهم أو السفن، مثل انتقال مقتنيات من مصر إلى خزائن الكنائس في المدن الأوروبية.
ولا يرى فيبر في حيازة هذه المقتنيات الثقافية نوعًا من الاستيلاء الاستعماري، بل يعتبره تبادلًا ثقافيًا، ويرى أن المشكلة تكمن بالأحرى في عدم التكافؤ البنيوي، حيث لم تجد أي كنوز فنية من أوروبا طريقها إلى المنطقة.
ويروي فيبر عن زائرة سورية سألته بدهشة: "لماذا توجد غرفة حلب هنا في برلين؟"، قبل أن تستدرك قائلة: "لكنني أنا أيضًا هنا!". كما تأثرت امرأة أخرى إلى حد ذرف الدموع، إذ شعرت بالامتنان لأن الغرفة حُفظت في برلين قبل اندلاع الحرب السورية، لكن الحقيقة أيضًا أنها لم تنجُ من الحربين العالميتين إلا بفضل الحظ.
وقد كُلف تاجر مسيحي في الدولة العثمانية بصناعة الألواح الخشبية لغرفة حلب، وهي مزينة بزخارف مستوحاة من العهد القديم، ولكن على الطراز العثماني. ويدرك فيبر أن تسمية "الفن الإسلامي" قد تكون مضللة في مثل هذه الحالات، لكنه، بعد دراسة البدائل المتاحة، لا يزال متمسكًا بها. وكانت مصطلحات مثل "الشرق الأوسط"، وكذلك "غرب آسيا"، مطروحة للنقاش، ومع ذلك يرى فيبر أن "غرب آسيا" يظل مصطلحًا دخيلًا، بينما مصطلح "سوانا" يفتقر إلى القدرة على إيصال المعنى؛ "لأنه لا أحد يعرف ما هو".
تفكيك الإرث الاستعماري
كانت الإشارة إلى استخدام مفهوم "الفن الإسلامي" في السابق خطوة تقدمية؛ ففي عام 1910، أقيم في ميونيخ معرض بعنوان "روائع الفن الإسلامي"، وأصبحت المقتنيات الثقافية القادمة من "الشرق" تُعرض فجأة باعتبارها جزءًا من حقبة فنية "محمدية" يفترض أن تكون مساوية للحقبة الفنية الأوروبية.
أما المعارض العالمية الكبرى التي سبقت ذلك، مثل معرضي برلين عام 1896 وباريس عام 1889، فكانت لا تزال أقرب إلى عروض استعراضية تركز على الغرابة، ولم تكن معارض فنية بالمعنى المتعارف عليه. بل عُرض فيها أشخاص أيضًا، طُلب منهم تمثيل "الشعوب نصف المتحضرة" من خلال أدوار نمطية، مثل دور سائقي الحمير.
وتولي أمينتا المعرض في هامبورغ، شرابه وهولتكوتّر، أهمية كبيرة ليس فقط لإعادة تسمية المجموعة، وإنما أيضًا لتفكيك إرثها الاستعماري، الذي لا يزال ظاهرًا في هامبورغ حتى اليوم، بما في ذلك في عمارة المدينة.
فمن يبحر بين المباني المبنية من الطوب في منطقة شبايشرشتات، ذات الواجهات الضيقة والمرتفعة، يجد نفسه في الموقع الذي كان يومًا أكبر مركز لتجارة "السجاد الشرقي" في العالم. وخلال الحقبة الاستعمارية، كانت بضائع تُصدّر من ميناء هامبورغ إلى منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا "سوانا"، وتُستورد منها إلى ألمانيا، بما في ذلك المصنوعات الحرفية التي كان تجار الفن يشترونها ثم يُعيدون بيعها إلى جامعي المقتنيات.
وتذكّر سجادة حجرية شرقية موضوعة على جسر فيلهلمينه في منطقة الميناء "هافن سيتي" الزوار بهذا الارتباط، وسواء كانت المقتنيات قد وصلت عبر الشراء أو الهبة أو تقسيم الاكتشافات الأثرية، فإن الكثير من الشواهد المادية على ثقافات منطقة "سوانا" نُقلت إلى ألمانيا في ظلّ علاقات قوة غير متكافئة. وتقول شرابه إنه لا يمكن محو ما حدث، لكن يمكن جعله أكثر شفافية والعمل بطريقة مختلفة مستقبلًا.
وبما أن ظروف اقتناء القطع التاريخية في سياقات استعمارية لا يمكن استبعادها مطلقًا، لا تريد هولتكوتَر وشرابه، اقتناء المزيد من الأعمال التاريخية القديمة، بل تفضلان التركيز في المعرض على الحاضر والمستقبل. وهذا يعني أيضًا ألا تكون المتاحف وحدها هي التي تحدد ما يستحق جمعه واقتناؤه، كما توضح هولتكوتَر.
وتعتزم أمينتا المعرض في هامبورغ، مستقبلًا الدخول في حوار مع الزوار والفنانين وسؤالهم عمّا يثير اهتمامهم، لذا ينظم المتحف فعالية خاصة بعنوان "مجلس"، تتيح للفنانين والمصممين التواصل مباشرة مع الزوار.
"ماما، بابا – نحن في المتحف!"
تود ياسمين هولتكوتّر، من متحف الفنون والحِرف، مخاطبة من تربطهم، مثلها، صلة شخصية بمنطقة "سوانا"، وتقول إن الجيلين الثاني والثالث من أبناء المهاجرين يعبّران بصورة متزايدة عن حضورهما في المشهد الثقافي، ويبحثان عن روابط إيجابية مع جذورهم الإيرانية أو العربية أو التركية، على سبيل المثال.
وقد ساهمت علامة الملابس الشبابية "حبيبي" في معرض "سوانا" في هامبورغ، من خلال تركيب تفاعلي حول الأبجدية العربية، كما صممت قطعتين من الملابس عُرضتا في متجر المتحف ويمكن شراؤهما وارتداؤهما في المدينة.
وقد أهدى مؤسسو العلامة هذا النجاح إلى والديهم، قائلين: "ماما، بابا، نحن في المتحف!".
ترجم النص من الألمانية بأدوات ترجمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي: محمد مجدي
قنطرة ©