ملحمة سينمائيّة تروي صفحة منسية من التاريخ
أكثر ما يجذب في فيلم "فلسطين 36"، ليس فقط كونه يتحدث عن فترةٍ مهمةٍ من التاريخ الفلسطيني تكاد تكون مغمورةً حين تقارن بفترة النكبة 1948، إذ يخوض غمار أحداث الثورة الكبرى منذ 1936 حتى 1939، ضد الانتداب البريطاني، وما رافقها من إضرابات عمال الموانئ ومظاهرات، قبل أن تُقمع بالقوة، بل كونه أيضًا لا يجملّ صورة الفلسطيني وقتها، ويظهره دون هالة مقدسة، ويُحوّل الأجداد إلى بشرٍ من لحمٍ ودم، يحبون، ويغضبون، ويضربون، ويسرقون، ويخافون ويقلقون.
وعُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي نهاية عام 2025، وهو إنتاج دولي مشترك بين فلسطين وبريطانيا وفرنسا والدنمارك وقطر والسعودية والأردن، وقد نال عدة جوائز، من بينها جائزة "طوكيو غراند بري" من مهرجان طوكيو السينمائي الدولي، كما وصل إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي طويل لعام 2026، ويبدأ عرضه في صالات السينما بألمانيا منتصف مايو/أيار الحالي.
وقد امتلكت المخرجة آن ماري جاسر الجرأة لتناول تلك المرحلة بدقة تاريخية، مضيفةً بُعدًا إنسانيًا كونها فلسطينيّة لا تزال تحاول اكتشاف الهويّة بين السياقات الاستعماريّة في الماضي والحاضر، وحرصت على تجسيد تفاصيل الزمن من عمارة وأزياء ووسائل نقل بما يتناسب مع تلك الحقبة.
ولاستحضار تلك التفاصيل، أصرّت جاسر، على اختيار فريق إنتاج فلسطينيّ بالكامل؛ المنتج، ومصمم الإنتاج، ومصمم الأزياء، ومسؤول الدعم، ومدير المواقع، ومدير اختيار الممثلين وغيرهم، "قضينا عامًا كاملاً في التحضير للتصوير فقط"، تحكي جاسر في مقابلة خاصة مع "قنطرة"، مضيفة: "كلّ عنصر في الفيلم مهم؛ فمثلا آلة الطباعة التي تظهر في الفيلم هي آلة تعود إلى عام 1936، كان من الصعب العثور عليها، وجدناها في بيروت وأحضرناها إلى فلسطين".
وليس هذا وحسب، بل ما قد لا يعرفه كثيرون أنّ الفيلم صُوّر أغلبه في الأراضي والمدن الفلسطينيّة المحتلة، وقد زرع الفريق حقولًا كاملةً بالقرب من إحدى قرى الضفة الغربية كي تكتمل مصداقية المَشاهد، وهنا كانت المخرجة وفريقها يبحثون وراء كلمةٍ واحدةٍ هي "الأصالة".
وبدأت جاسر حشد الدعم لإنتاج الفيلم الذي كلّف في النهاية ستة ملايين دولار، وصنعت عملًا ليبقى شاهدًا على أساس الحكاية، وتقول عن ذلك: "صناعة فيلم عن ثورة 1936 هو أمر أردتُ القيام به منذ فترةٍ طويلةٍ، لكنني شعرتُ أيضًا بالمسؤولية تجاه ذلك".
ومع اندلاع الإبادة في غزة وتصاعد الأحداث، تعطّل التصوير أربع مرات، وانتقل إلى الأردن قبل العودة إلى فلسطين في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، "تكبدنا بسبب كل ذلك التنقل خسائر فادحة، وبنينا كل شيء من الصفر من جديد"، تؤكد جاسر.
أفلام غير دموية
ومَن يشاهد أعمال جاسر، يرى أفلامًا اجتماعيّةٍ غير معقدة، يظهر فيها الاحتلال على الدوام جزءًا من التفاصيل وليس الحبكة الرئيسيّة، تشعر به بكل مكان لكن ليس شرطًا أن تتصارع معه في أحداث الفيلم، كما فيلمَيها "واجب" 2017 و"ملح هذا البحر" 2008. ومع ذلك، بقيت جاسر تحلم بذاك الفيلم "السياسيّ والشخصي"، كما تصفه، في وقت تُقدَّم فيه الأفلام عن فلسطين بنبرة تركز على الحرب والإبادة والقصف والإعدام البارد، وحول ذلك تقول: "ربما الفيلم قاسٍ في مضمونه، لكنّه لا يعتمد على المشاهد الدمويّة أو إظهار النتائج الجسديّة للعنف. لا أحتاج إلى رؤية ذلك كي أشعر بالعنف أو بالإهانة، أُفضّلُ أنْ يصل الجمهور إلى استنتاجاته الخاصة وبالوتيرة التي تناسبه".
وتؤكد أن ما يجذبها في الأفلام الروائية الطويلة هي المساحة الواسعة من الحرية، موضحة أنه رغم الطابع الملحمي للعمل وتناوله حدثًا سياسيًا كبيرًا، إلا أن تركيزه ينصب على التفاصيل الإنسانية والعلاقات العائلية وحياة أشخاص عاديين في لحظة استثنائية، مشيرة إلى تأثرها خلال عملها على الفيلم بأعمال بارزة مثل فيلم "مالكوم إكس" (1992) و"معركة الجزائر" (1966) و"الريح التي تهز الشعير" (2006).
فلسطينيون، يهود وبريطانيون
نسج الفيلم الخط الدرامي عبر حكاية يوسف (الممثل كريم داود عناية)، وهو شاب قروي يعمل سائقًا في القدس لدى أمير بِك (الممثل ظافر عابدين) وزوجته خلود (الممثلة ياسمين المصري)، وهما ينحدران من عائلة برجوازيّة فلسطينيّة تشتغل في السياسة والصحافة، فتُظهر الفروقات الاقتصاديّة والثقافيّة وحتى الوطنية بلقطاتٍ ذكيةٍ دون مباشرة وخطابية.
وتنتقل بعد ذلك المشاهد إلى القرية حيث يعمل أهلها في الحقول بسعادة، ويضحكون، ويلعب الأطفال، ويخطف العشّاق النظرات البعيدة داخل مشاهد طبيعيّة لفلسطين، لكن لا أحد منهم يعلم، أنه ليس بعيدًا، هناك عند التلال الخضراء يوجد وافدون جدد يرتدون الأزياء الأوروبيّة، سيعيشون بعد برهة من الزمن بدلًا عنهم وليس معهم، كما كان يأمل أهالي القرى في البداية، حيث ذهبوا للتفاهم حول كل تلك الأسلاك التي اقتصّت أراضيهم لكن الرصاصات القاتلة سبقت الكلمات.
وإلى جانب الفلسطينيين واليهود الوافدين، يُظهر الفيلم حضور الإمبراطورية البريطانية بجيشها وأعلامها في مختلف المدن، ويقدّم ما عُرف بـ"سياج تيغارت"، وهو نظام حواجز شائك وضعه الخبير البريطاني تشارلز تيغارت على الحدود مع لبنان لمنع تدفّق المقاتلين. ولا يزال أسلوب استخدام الحواجز قائمًا، بوصفه امتدادًا للفكر الاستعماري في سياسات الفصل التي تبنّتها إسرائيل عبر منظومة أمنية عسكرية على امتداد البلاد.
لذلك فإنّ ظهور شخصية تيغارت (الممثل ليام كنينغهام) لدقائقَ معدودةٍ كخبيرٍ بريطانيّ في مكافحة التمرد، يحمل دلالة رمزية على ما سيؤول إليه مستقبل فلسطين. ويشير السرد المتصاعد للفيلم إلى أن "براءة اختراع" قمع الفلسطينيّ تعود إلى البريطانيّ الذي اجترح ذلك القمع وأجبره على قبول المستوطن الجديد، "لقد أنشأ البريطانيون نظام الاحتلال بأكمله الذي يستخدمه الإسرائيليون اليوم، من استخدام الدروع البشرية، ونقاط التفتيش، ومصادرة الأراضي، والعقاب الجماعي، إلى الاعتقال الإداري، والنفي"، توضح جاسر.
كما يُظهر الفيلم الطبقات الاجتماعيّة الفلسطينيّة وقتها، والصراعات بينها والاهتمامات الثقافيّة المختلفة، وبروز النسويّة ومطالبها، إضافة إلى تدفق اليهود لفلسطين بحماية بريطانية عبر قمع السكان الأصليين، بشكل متوازن وببساطةٍ وسلاسةٍ وواقعية دون أنْ تعمل جاسر على جعل الإنسان الفلسطينيّ أسطورة سواء كان المقاوم أو الفلاح الصامد في قريته، كما لم تنتقص من مظلوميته. غير أن تقديم الفيلم لوقفات مهمة في التاريخ تنعكس على الحاضر بشكل أو آخر، كان على حساب التصاعد الدرامي للحبكة والشخصيات.
القصة وليس الأبطال
في معظم أفلام جاسر لا يوجد بطلٌ واحدٌ، بل كلّ ممثلٍ وممثلةٍ هم أبطال مشاهدهم فقط، فهي تختار دومًا البطولة الجماعيّة للممثلين والممثلات في توليفةٍ سينمائيّةٍ تعتمد كثيرًا على أحداث القصة، وهذا يظهر أكثر في فيلم "فلسطين 36"، فتشعر أنّها مايسترو تقود فرقةً ضخمةً من الآلات الموسيقيّة بسلاسةٍ وحرفيّةٍ.
لذلك نجد مئات الممثلين المشاركين في الفيلم من أجانب وعرب وفلسطينيين، حتى إنّ الراحل حديثًا أحمد قعبور ظهر في مشهد صغير، وهذا ظهوره السينمائي العابر الأخير، "لم أرغب باستحضار الفكرة السائدة في السينما عن وجود شخصيّةٍ مركزيّةٍ في هذا الفيلم الذي يتحدث عن انتفاضة جماهيريّة، انتفاضة شعب"، تشرح المخرجة.
ولم يفت الفيلم الإشارة إلى غزة، إذ ينتهي بقصيدة مكتوبة على شاشة سوداء للشاعر الغزيّ سليم النفار (1963-2023)، الذي استشهد مع عائلته بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا تزال جثامينهم حتى الآن تحت الأنقاض، تقول القصيدة:
"في هذه الأرض الصغيرة
قد كبرنا
وتكاثرت من نهرنا
ملل وأنساب
مُتفاعِلُنْ/ مُتْ… فاعِلُنْ
إيقاعنا…
والطائرات السافرات
لن تستطيع … إن تختلف
فيما تفسره الحياة
سنظل في قيثارة المعنى ….
ولو نامت على أرض سماء".
قنطرة ©