فيلسوف "أسلمة المعرفة"

رجل ذو لحية بيضاء ونظارات.
رأى العطاس (1931-2026) أن أزمة العالم الإسلامي معرفية بالأساس. (Photo: CC0 1.0 Universal)

كان الفيلسوف الموسوعي الماليزي سيد محمد نقيب العطاس، الذي رحل عن عمر ناهز 94 عامًا، أحد أبرز الأصوات الناقدة للهيمنة الفكرية الغربية، وأسهمت أعماله في النقاشات حول الحداثة والتعليم في أنحاء العالم الإسلامي.

تقرير: محمد نافع وافي

احتدم جدل حول كيفية تعامل المجتمعات الإسلامية مع مفهوم الحداثة طوال القرن العشرين: هل ينبغي لها التكيف مع الأطر الفكرية الغربية، أم إعادة اكتشاف أطرها الخاصة؟ قلّما تناول مفكرون هذا السؤال بعمق فلسفي وإصرار كما فعل سيد محمد نقيب العطاس، الذي وافته المنية في الثامن من مارس/آذار الجاري عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عامًا. كان العطاس، فيلسوفًا ومؤرخًا ولغويًا ومنظّرًا تربويًا، وكثيرًا ما وُصف بأنه أحد آخر الموسوعيين الحقيقيين في الإسلام الحديث.

كرّس العطاس حياته لتحدّي روح العصر الفكرية، إذ تمحورت كتاباته حول سؤالٍ واحدٍ مُلِحّ مُلح: كيف أصبحت الحضارة الإسلامية – التي كانت يومًا من أبرز منارات الفلسفة والعلوم في العالم – خاضعة فكريًا للأيديولوجية السائدة في الغرب الحديث؟ جادل العطاس بأن الأزمة التي تواجه العالم الإسلامي ليست سياسية أو اقتصادية في المقام الأول، بل هي أزمة معرفية.

وقبل تجديد المؤسسات أو المجتمعات، كان يعتقد أنه لا بد من إعادة تصور أسس المعرفة نفسها. ولم يكن مجرد ناقد للفكر الغربي، بل كان، على نحو أكثر طموحًا، مهندس مشروع فلسفي سعى إلى إعادة الفكر الإسلامي إلى مساره الخاص. 

من الجيش إلى الأوساط الأكاديمية

وُلد العطاس عام 1931 في جاوة لعائلة من أصول عربية حضرمية، ونشأ في كنف التقاليد الثقافية والدينية للعالم الملايوي، في وقت كانت فيه جنوب شرق آسيا لا تزال تعاني من تبعات الحكم الاستعماري. 

بدا أن العطاس الشاب مُهيأ لمسيرة عسكرية؛ إذ انضم إلى فوج الملايو، ثم تدرب في أكاديمية ساندهيرست العسكرية البريطانية المرموقة، وحصل على رتبة ضابط عام 1955. لكن رحلاته عبر شمال أفريقيا وإسبانيا، حيث لا تزال آثار الحضارة الإسلامية بارزة في العمارة والمكتبات والذاكرة التاريخية، غيّرت طموحاته تدريجيًا من الحياة العسكرية إلى البحث العلمي. 

ترك الجيش ليتفرغ لدراسة تاريخ الفكر الإسلامي، وقدّم أطروحة دكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن عن الفيلسوف الصوفي السومطري حمزة فانسوري، الذي عاش في القرن السادس عشر. عكست هذه الموضوعات افتتانه المبكر بالأبعاد الفلسفية للروحانية الإسلامية، ولا سيما تقاليد التصوف الميتافيزيقي. 

سرعان ما رسّخ مكانته كشخصية بارزة في النظام الجامعي الناشئ بعد عودته إلى ماليزيا، وكان اهتمامه الأكبر منصبًا على التطور الفكري للمجتمعات الإسلامية في العصر الحديث. 

كانت الجامعات في مختلف أنحاء العالم الإسلامي تُصمَّم إلى حد كبير على غرار نظيراتها الأوروبية، مستوردةً هياكلها المعرفية ومسلماتها الفكرية، ورغم نجاح هذه المؤسسات في تخريج مهندسين وإداريين وعلماء، رأى العطاس أنها أعادت تشكيل فهم المسلمين للمعرفة نفسها، وهو ما اعتبره نوعًا من الانفصال الفكري. 

تمحورت فلسفة العطاس حول نقد المفهوم الغربي للمعرفة بوصفها مجرد تراكم للمعلومات أو إتقان للحقائق التجريبية. فهو يرى أن للمعرفة بُعدًا أخلاقيًا وميتافيزيقيًا: فهي توجيه منضبط للعقل نحو الحقيقة والمعنى، وفي نهاية المطاف نحو الحقيقة الإلهية. 

Here you can access external content. Click to view.

ربط العطاس هذا الفهم الأعمق بمفهوم المعرفة في التصوف، وهو نوع من المعرفة لا يقتصر على العقل فحسب، بل يشمل الحدس الروحي أيضًا، ولا يمكن اختزال هذه المعرفة في الملاحظة التجريبية أو الاستنتاج المنطقي، بل تتطلب تهذيب الإنسان كفاعل أخلاقي وروحي. 

قاد ذلك العطاس إلى مفهوم آخر محوري في فكره: الأدب. غالبًا ما تعرف بأنها "الآداب" أو "السلوك القويم"، لكن الكلمة حملت عنده دلالة فلسفية أعمق بكثير؛ إذ تشير إلى الترتيب الصحيح للنفس البشرية، وهو نظام فكري وأخلاقي يضع كل شكل من أشكال المعرفة في موضعه الصحيح. وبدون هذا الأدب، قد تصبح المعرفة مجزأة أو نفعية، تخدم السلطة بدلًا من الحقيقة. لذلك، لا يمكن اختزال التعليم في مجرد تدريب تقني. 

علاوة على ذلك، جادل العطاس في كتابه المؤثر "مفهوم التعليم في الإسلام"، بأن الهدف الحقيقي للتعليم هو تكوين ما تسميه الفلسفة الإسلامية "الإنسان الكامل"، أي الإنسان المتكامل أو المتمرس. فالمعرفة، في هذا السياق، تعني القدرة على إدراك النظام الإلهي في الكون والمجتمع. 

"أسلمة المعرفة"

اعتقد العطاس، أن تآكل هذا المفهوم الشامل للمعرفة يكمن في صميم الأزمة الفكرية التي تواجه العالم الإسلامي، إذ تبنّت الأنظمة التعليمية أطرًا معرفية غربية دون تمحيص في مسلماتها الميتافيزيقية. 

ومن هنا، صاغ فكرته الأشهر والأكثر إثارة للجدل: "أسلمة المعرفة"، التي انتشرت في الأوساط الفكرية الإسلامية في أواخر القرن العشرين، ولم تكن الأسلمة بالنسبة للعطاس مجرد إضفاء طابع إسلامي على التخصصات الحديثة، بل شيئًا أكثر جذرية: إعادة بناء فلسفية للمعرفة نفسها. 

جادل بأن الخطوة الأولى في هذه الإعادة تتمثل في ما أسماه "نزع الطابع الغربي"، أي تحديد المسلمات العلمانية للأطر الفكرية الحديثة وإزالتها. فمن وجهة نظره، نشأت المعرفة الغربية ضمن مسار تاريخي فقدت فيه الديانة تدريجيًا سلطتها على الفلسفة واللغة والمجتمع. 

وقد تتبع العطاس جذور الفكر العلماني في كتابه المؤثر "الإسلام والعلمانية" إلى التطورات التي حدثت داخل الحضارتين المسيحية واليونانية الرومانية، وجادل بأن العلمنة ليست مرحلة حتمية من التقدم البشري، بل نتيجة تاريخية محددة انفصل فيها المقدس تدريجيًا عن الحياة العامة والبحث الفكري. 

وبذلك أصبحت المعرفة منفصلة عن أسسها الميتافيزيقية ومجرد أداة لإدارة العالم، لا لفهم معناه الأسمى، وفي مواجهة هذا التوجه، دعا العطاس إلى إعادة دمج البحث التجريبي مع الوحي والبصيرة الميتافيزيقية، مؤكدًا أن الأسلمة الحقيقية لا ترفض العقل أو العلم، بل تسعى لوضعهما ضمن إطار أوسع قائم على مبدأ التوحيد، أي وحدانية الله. 

نموذج بديل للتعليم العالي

اتجه العطاس إلى تجسيد رؤيته هذه عبر تأسيس المعهد الدولي للفكر والحضارة الإسلامية في كوالالمبور عام 1987، كنموذج بديل للتعليم العالي، بهدف إحياء المثل الإسلامي الكلاسيكي للمعرفة المتكاملة، جامعًا بين اللاهوت والفلسفة واللغة والعلوم الطبيعية ضمن إطار فكري موحد. 

استقطب المعهد لفترة من الزمن علماء من شتى أنحاء العالم، وبدا وكأنه تجربة فريدة لإعادة النظر في أسس التعليم العالي في العالم الإسلامي، إلا أنه تأثر لاحقًا بالتحولات السياسية والتنافسات الأكاديمية؛ فقد أدت التغيرات في المشهد السياسي الماليزي تدريجيًا إلى تآكل استقلاليته، وبحلول أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، تلاشت إلى حد كبير رؤيته التأسيسية. 

ومع ذلك، امتد تأثير العطاس إلى ما هو أبعد من أي مؤسسة بمفردها؛ فقد تطور مشروعه جنبًا إلى جنب مع مشاريع مفكرين آخرين مثل إسماعيل راجي الفاروقي، ومحمد عابد الجابري، وفضل الرحمن، الذين اختلفوا في تشخيصهم لأزمة الفكر الإسلامي. 

فبينما سعى الفاروقي المدعوم بتمويل سعودي سخي إلى أسلمة التخصصات الأكاديمية الحديثة، وحشد شبكة من العلماء والممولين من خلال مؤسسات مثل المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيما رأى الجابري والرحمن أن هيمنة الاستدلال النصي والصوفي تاريخيًا على العقلانية التجريبية هي سبب المشكلة، ودعوا إلى إحياء التقاليد العقلانية والتجريبية في تاريخ الفكر الإسلامي. 

أما العطاس، فقد اعتقد أن الأزمة تكمن في فقدان التوجه الميتافيزيقي، أي انفصال المعرفة عن أسسها الروحية. ولم يكن موقفه رفضًا للحداثة ولا تبنيًا أعمى لها، بل دعوة لإعادة التفاعل معها من خلال الموارد الفكرية الإسلامية نفسها. واستند مشروعه إلى قناعة قد تبدو غير رائجة في عصر التخصص الأكاديمي: أن المعرفة والأخلاق متلازمتان. فقد اعتقد أن الحضارة القادرة على إنتاج معرفة ذات مغزى يجب أن تُنشئ أولًا أفرادًا يتسمون بالانضباط والتواضع والوضوح الأخلاقي. 

وجادل بأن الهدف النهائي من التعلم ليس مجرد إتقان المعلومات، بل تكوين إنسان قادر على إدراك الحقيقة. 

 

ترجمه من الإنجليزية: سارة عرفة

قنطرة ©