ثمن التطوير يدفعه السكان

شبّان يشاهدون هدم منزل. (Photo: Yassine Toumi)
سكان يراقبون عمليات الهدم في المدينة القديمة بالدار البيضاء، 15 مايو/أيار 2026. (Photo: Yassine Toumi)

بينما يواصل أسود الأطلس تألقهم في كأس العالم 2026، تواصل الجرافات في الدار البيضاء والرباط تمهيد الطريق لاستحقاق عام 2030، حيث سيشارك المغرب في استضافة البطولة، إلا أن كلفة هذه الاستعدادات تلقي بظلالها الثقيلة على السكان المحليين.

تقرير: يونس ساوري‎

السبت 13 يونيو/حزيران، في الدار البيضاء

على بعد دقيقتين سيرًا على الأقدام من مقرّ الولاية، أنشئت منطقة مشجعين لدعم المنتخب الوطني خلال بطولة كأس العالم 2026، وفي المباراة الأولى، احتشد المئات للاحتفال بتعادل المغرب 1-1 أمام البرازيل، وسط الهتافات ورفع الأعلام، حيث كان "أسود الأطلس" ندًا لنجوم السامبا، بطل العالم خمس مرات، نتيجةً وأداءً. 

غير أنه على بعد أقل من كيلومتر واحد، كانت ألوان القمصان الحمراء والخضراء تتلاشى لتفسح المجال لمشهد أكثر قتامة، ففي المدينة القديمة، كانت الجرافات وأكوام الركام حاضرة بقوة في إطار مشروع إعادة تهيئة "المحج الملكي"، الذي جرى تسريعه رسميًا ليكون واجهة استعدادًا لكأس العالم المقبل. 

يدعى المكان بحي "الشهداء"، الذي كان معقلًا للمقاومة ضد الاستعمار الفرنسي خلال فترة الحماية؛ ومع تقدم الإنشاءات، يبدو وكأن صفحات كاملة من كتاب التاريخ تُطوى. 

وسيستضيف المغرب، بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال، كأس العالم 2030، غير أن هذا الوهج الدولي له كلفة على الأرض، إذ يعِد مشروع "المحج الملكي" بإنشاء "أكبر فضاء أخضر بإفريقيا" يمتد على مساحة 50 هكتارًا. وبعد أن ظلّ حبيس الأدراج لأكثر من أربعة عقود، أُعيد إحياء المشروع في سبتمبر/أيلول الماضي بموجب اتفاق بقيمة ملياري درهم (حوالي 187 مليون يورو) بين جماعة الدار البيضاء، وشركة الدار البيضاء للإسكان والتجهيزات، وشركة صندوق الإيداع والتدبير للتنمية، الشركة الوطنية للتهيئة الجماعية.

وصرّحت عمدة المدينة نبيلة الرميلي، أمام المجلس الجماعي، بأن المشروع يهدف إلى إعادة إحياء "الدور السياحي والثقافي" للمدينة العريقة، مضيفة: "يجب أن تكونوا فخورين بهذا الحدث التاريخي"، لكن نحو 16 ألف أسرة و2500 نشاط تجاري تأثرت جراء أعمال الهدم وإعادة الإيواء، وفق ما أفادت به العمدة. 

حين تقتلع سبل العيش من جذورها

بالنسبة لكثيرين، يثير الانتقال القسري شعورًا ثقيلًا بالاقتلاع من تفاصيل الحياة التي اعتادوا عليها، وكأنهم يُجبرون على البدء من جديد في مكان لم يختاروه. 

نسيم، في الثلاثينيات من عمره، يبيع السمك في باب مراكش عند مدخل المدينة، وهو أحد المتضررين من المشروع، ويقول إن نقله إلى حي الرحمة من شأنه أن يدمر مصدر رزقه، إذ إن التنقل اليومي إلى الميناء يكلفه 35 درهمًا لليوم (حوالي 3.30 يورو)، ويضيف: "إنهم يأخذون منا بيوتنا ومشاريعنا وكرامتنا، إنه ليس مجرد حي يموت، بل أسلوب حياة يُمحى". 

أيضًا أحمد، 33 عامًا، وهو بائع سمك آخر من باب مراكش، يواجه بدوره مستقبلًا غامضًا وقد أُعيد تسكينه في حي الرحمة على بعد عشرة كيلومترات من الميناء، ما يفرض عليه إعادة بناء نشاطه في منطقة لا يعرفها، ويقول: "الذهاب إلى الميناء عند الساعة الثانية صباحا يكلفني 60 درهمًا (حوالي 5.60 يورو) يوميا، بينما لا أربح سوى 200 درهم (حوالي 18.60 يورو). كيف سأتمكن من كسب قوت يومي وتأسيس أسرة؟".

يقف أحد السكان بجوار ما تبقى من ممتلكاته بعد هدم منزله في المدينة القديمة بالدار البيضاء، وذلك في إطار عمليات الإخلاء المرتبطة بمشروع إعادة تطوير "الجادة الملكية" (Royal Avenue) المزمع تنفيذه. الدار البيضاء، المغرب، 15 مايو/أيار 2026. (Photo: Yassine Toumi)
يقف أحد السكان بجوار بقايا ممتلكاته بعد هدم منزله في المدينة القديمة بالدار البيضاء، 15 مايو/أيار 2026. (Photo: Yassine Toumi)

أما عبد الواحد، 45 عامًا، الذي نُقل أيضا إلى حي الرحمة، فقد اضطر إلى استئجار شقة ثانية داخل المدينة لتمكين أطفاله من متابعة دراستهم، بعد تعذر تسجيلهم في مدرسة قرب سكنهم الجديد، ويستهلك الإيجار الآن نصف راتبه، ويقول: "إنه من الظلم أن يٌقام مشروع المحج الملكي". 

في المقابل، يؤكد المسؤولون أن خطط التطوير تصب في مصلحة السكان، ويقول عبد الصادق مرشد، الكاتب العام لمجلس مدينة الدار البيضاء، إن السكان الذين يعيشون في مبان مهددة بالانهيار سيُنقلون إلى حي النسيم، حيث سبق إعادة إسكان جزء من سكان المدينة القديمة، مضيفًا أن الخطة تهدف للحفاظ على التماسك الاجتماعي. 

مبان تاريخية آيلة للسقوط

وبينما يرفض بعض السكان مغادرة منازلهم ومصادر رزقهم، يبدي آخرون استعدادًا للرحيل عن مبان ظلت لسنوات في حاجة ماسة إلى الترميم والتجديد دون اكتراث من السلطات المحلية.  

في اليوم التالي لتعادل المغرب أمام البرازيل، تشير سميرة، 58 عامًا، إلى تشققات تمتد من الأرض إلى السقف داخل منزلها، وتقول: "نعيش هنا ونحن نخشى أن نموت ونحن نيام". 

قبل ثمانية أشهر، انهار مبنى من أربعة طوابق في درب الرماد بالمدينة، ما أسفر عن مقتل زوجان مسنان كانا يقطنان الطابق الرابع. تقول سميرة: "كانت التشققات تتسع منذ سنوات، لكن لم يأت أحد على الرغم من تظلمات المواطنين".  

منحت السلطات المحلية للمتضررين الذين فقدوا منازلهم، تعويضًا قدره 8000 درهم (حوالي 750 يورو)، تُعقّب السيدة المغربية: "هذا كل شيء، مبلغ ضئيل جدًا مقارنة بمن فقد منزله ووثائقه، وبعضنا فقد أقرباءه". ومن هذا المنظور، قد ينقذ تفكيك المباني الأكثر خطورة الأرواح، حتى وإن خلّفت طريقة التنفيذ مرارة لدى السكان. 

نشأت سميرة في هذا الحي الواقع بين الميناء ومسار المحج المستقبلي، وربّت ستة أبناء هنا، وكانت تبيع الخضر على بعد خطوات من منزلها. في عام 2012 وُعدت بشقة جديدة في إطار المشروع، وفي 2015 حصلت على وثيقة لاستلامها، لكن المالك أخبرها لاحقًا أن الشقة بيعت لشخص أخر وهو ما تصفه بـ"صفقة مشبوهة"، ومنذ ذلك الحين وهي تنتظر، غير قادرة على دفع رسوم الاستفادة من إعادة الإسكان: 100 ألف درهم (حوالي 9300 يورو) للمطور العقاري، و20 ألف درهم (حوالي 1870 يورو) للموثق. 

ولا يزال آخرون يقيمون في المدينة العتيقة، يراقبون عالمهم وهو يتداعى من حولهم، ففي باب مراكش، يعرض الباعة السمك والفواكه والخضر على الأرصفة وسط ضجيج الجرافات. وأطلقت المدينة عبر شركة "الدار البيضاء للتجهيز"، وهي شركة تنمية محلية، مشروع إعادة تأهيل بقيمة 64 مليون درهم (حوالي 6 ملايين يورو) لإعادة تطوير السوق، بهدف تنمية التجارة المحلية. لكن الواقع، بحسب أحد الباعة في العشرينات من عمره، أن المساحة المخصصة للتجار "تضيق يومًا بعد يوم". ويضيف أن العديد منهم غادروا بالفعل بحثًا عن أماكن أخرى، معبرا عن شكوكه في أن يكون المشروع منصفًا للسكان، "نعرف كيف تسير الأمور: قلة من الباعة سيستفيدون، والأغلبية ستقصى". 

جرافة تزيل أنقاض منازل هُدمت في المدينة القديمة بالدار البيضاء، وذلك في إطار أعمال إعادة التطوير المرتبطة بمشروع "الشارع الملكي" المستقبلي. الدار البيضاء، المغرب، 15 مايو/أيار 2026. (Photo: Yassine Toumi)
جرافة تزيل أنقاض منازل مُهَدَّمة في المدينة القديمة بالدار البيضاء، وذلك خلال أعمال إعادة التطوير المرتبطة بمشروع "الشارع الملكي"، 15 مايو/أيار 2026. (Photo: Yassine Toumi)

ارتفاع جنوني لأسعار الإيجار بفعل كأس العالم

تشهد مدن مغربية أخرى بدورها موجة زيادة في أسعار السكن بسبب الاستعدادات لكأس العالم 2030، وتؤكد البيانات الرسمية أن هذا الارتفاع شمل أيضًا مراكش وطنجة والعاصمة الرباط، التي تبدو الأكثر تأثرًا، ومع إدراج بعض الأحياء ضمن برامج إعادة التأهيل، يدرك المالكون "القيمة المستقبلية" المتوقعة في الأسعار، ما يؤدي إلى ارتفاع الإيجارات بشكل متسارع. 

يقول عبد الفتاح، 35 عامًا، من الرباط: "شقة كان ثمنها 800 ألف درهم (حوالي 75 ألف يورو) أُعيد تقييمها اليوم بأكثر من 1.5 مليون درهم (حوالي 140 ألف يورو)، لأنهم هدموا مئات المنازل من أجل إنشاء حي راقٍ".  

وتنعكس هذه الضغوط مباشرة على المستأجرين، إذ يؤكد حسن، المقيم في الحيّ ذاته، أن مالك الشقة يطالبه بزيادة 2000 درهم (حوالي 185 يورو) شهريًا عند تجديد العقد، أو مغادرة السكن، "هذا مستحيل أعمل على بعد 500 متر من المنزل، وأطفالي يدرسون قربه"، كما يقول. 

كما تقدمت الجرافات في الرباط بشكل واضح؛ فقد بدأت عمليات الهدم في مارس/أذار بهدف توسعة الطرق وفتح الواجهة المطلة على البحر، وتروي فاطمة، 65 عامًا، المقيمة في حيّ "المحيط" منذ أكثر من خمسين عامًا، أن قرار الهدم جرى تبليغه شفهيًا دون أيّ وثيقة مكتوبة. 

وحددت التعويضات بـ13 ألف درهم (حوالي 1200 يورو) للمتر المربع، وهو أقل بكثير من سعر السوق، مع إلزام السكان بالمغادرة في منتصف شهر رمضان الماضي، ويضيف أحد الجيران، أن الملّاك مُنحوا أسبوعًا واحدًا فقط للإخلاء، دون أن يتمكن أحد من تحديد الجهة التي أصدرت القرار، قائلّا: "كل من تسأله يقول إن الأمر جاء من فوق" أي من أعلى السلطات. 

وبالنسبة لمن يوافقون على المغادرة، يجرى إعادة تسكينهم في ضواحي الرباط البعيدة، مثل شقة في تامسنا أو قطعة أرض في عين عودة، وتقول إحدى الساكنات: "كنا نعيش في قلب المدينة، ثم نقلنا إلى أماكن بعيدة جدا"، وفي حي العكاري المجاور، يلخص أحد السكان شعورًا عامًا بالمرارة، قائلًا: "لماذا يفرض علينا هذا؟ من أجل كأس العالم 2030؟ وأين سنكون نحن حينها؟". 

وقد عبرت منظمات حقوقية عن هذا التوتر، وتساءل حكيم سيكوك من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عن سبب تهجير الناس من بيوتهم "من أجل حدث لن يدوم سوى بضعة أسابيع". وفي الدار البيضاء، كان والي جهة الدار البيضاء–سطات، ممثل وزارة الداخلية، قد أمر في وقت سابق بتعليق عمليات الهدم إلى حين إعادة الإسكان، غير أن القرار لآلاف الأسر، بدا أقرب إلى "ضمادة مؤقتة" فوق جرح عميق. 

"نريد الصحة لا كأس العالم"

يمتد الغضب خارج الأحياء المهددة بالهدم؛ ففي أواخر سبتمبر/أيلول 2025، خرجت حركة شبابية تعرف باسم "جيل زد 212" في احتجاجات شملت الرباط والدار البيضاء وطنجة ومدن أخرى، منددة بالمليارات المخصصة لبناء ملاعب كأس العالم، في وقت تعاني فيه المستشفيات والمدارس من نقص حاد.

وأصبح شعار "الملاعب موجودة، فأين المستشفيات؟" و"نريد الصحة لا كأس العالم" من أبرز هتافاتهم، وقد وصفت هذه الاحتجاجات بأنها من الأكبر خلال السنوات الأخيرة، لكنها قوبلت برد أمني قوي؛ حيث أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بمقتل ثلاثة أشخاص واعتقال نحو ألف شخص. 

ما يُبنى على الأرض واقع: طرق أوسع، وفنادق، وكورنيش ضخم، ومدينة مهيأة لاستقبال عدسات الكاميرات وجماهير 2030، لكن السؤال الذي يطرحه السكان باستمرار هو: لمن تُبنى كل هذه المشاريع؟ يقول عبد الواحد، 45 سنة، الذي اضطر إلى استئجار شقة ثانية في الدار البيضاء: "المحج الملكي موجه للسياح، وليس لنا"، فالبطولة ستستمر شهرًا واحدًا، لكن آثارها على العديد من الأسر المغربية تبدو دائمة. 

 

أُعدّ هذا المقال بالتعاون مع مؤسسة "فريدريش ناومان" (مكتب تونس)، وهو جزء من سلسلة "بقع ضوء: ​​رؤى من شمال أفريقيا والشرق الأوسط".

قنطرة ©