كيف تبدو الدراما السورية بعد الأسد؟
يبدو أن الدراما السورية تعيش لحظة تحول جذرية في أول موسم رمضاني كامل يُنتج بعيدًا عن رقابة نظام الأسد، وذلك بعد عقود من التأرجح بين الحظر والرقابة والترميز، وهو تحول لا يرتبط فقط بغياب الجهاز الرقابي، وإنما بتغيّر بيئة الإنتاج نفسها وانتقال مركز قرار المنتجين وصُنّاع الدراما من حسابات الخوف السياسي والرقابي إلى الحسابات الجماهيرية.
وبذلك لم تعد الشاشة، التي اعتاد السوريون التسمّر أمامها لساعات لمشاهدة مسلسلات رمضان كل يوم بعد الإفطار، مجرد مساحة للترفيه والتسلية، بل تحوّلت إلى مساحة اختبار صعب لضمير صناعة اعتادت لعقود على المواربة والسير الحذر بين ألغام الخوف والرقابة.
ولكن قبل الغوص في عمق تلك الأعمال التي وصل عددها إلى 25 عملًا دراميًا سوريًا لهذا الموسم، دعونا نستطلع توجهات الدراما السورية هذا العام سريعًا؛ التي بدت أنها تتوزّع بين مسارين رئيسيين: استعادة الوجع السوري من جهة، والترفيه والتشويق من جهة أخرى.
طريق مليء بالأشواك
يُحيي السوريون هذه الأيام الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول. فما حجم التحوّلات التي شهدتها البلاد منذ ذلك الحين؟، مجموعة من الخبراء يقدّمون لقنطرة قراءتهم للمشهد السوري وتحدياته المقبلة.
لم يكن طريق المسار الأول معبّدًا، إذ أثارت أعمال مستلهمة من عوالم السجون السورية خلال حكم عائلة الأسد (1970-2024)، مثل "القيصر- لا زمان لا مكان" و"الخروج إلى البئر"، جدلًا واسعًا حول تحويل مأساة المعتقلين إلى مادة درامية قبل تحقيق العدالة وكشف مصير المفقودين.
جدل "القيصر"
يقدّم مسلسل "القيصر" للمخرج صفوان نعمو، ثلاثيات مقتبسة عن قصص حقيقية لمغيبين ومعتقلين في سجون نظام الأسد، ويحمل اسمه إحالة مباشرة إلى فريد المذهان الملقب بـ"قيصر"، وهو الضابط المسؤول عن تسريب آلاف الصور لضحايا التعذيب في الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري السابق، وهذا الارتباط منح العمل ثقلًا أخلاقيًا ورمزيًا كبيرًا، ووضعه أمام توقعات عالية من الجمهور وحساسية مضاعفة.
ولكن مع بداية العرض، أجمع الكثير من المشاهدين والنقّاد على أن العمل وقع في فخّ التسطيح، وقدّم صورًا مجتزأة لا تعكس فداحة التجربة ولا تعقيدها الإنساني، وظهر خاليًا من أيّ حبكة متماسكة أو تطور درامي عميق، وكأن المأساة توظَّف بديلًا عن عناصر البناء الدرامي الرئيسية.
يعتمد العمل صيغة ثلاثيات موزعة على ثلاثين حلقة، وهذا التقسيم كرّس نمطًا متشابهًا من الصدمات المتتالية، ففي الثلاثية الأولى تحلم البطلة نايا، التي تلعب دورها الممثلة دانا مارديني، بمُنشد الثورة، عبد الباسط الساروت، وتعتبر حلمها "بشارة خير"، لكن الأحداث تنقلب سريعًا فتُعتقل مع شقيقها وتموت داخل السجن. هذا الانتقال السريع من الحلم إلى الفجيعة جاء مفاجئًا، كما في كل ثلاثيات المسلسل التي تُوظف الصدمة كأداة تأثير مباشرة لا بوصفها نتيجة مسارات درامية متدرجة. وبدل تفكيك المأساة وإعادة تركيبها دراميًا مع مراعاة حساسية التجربة، عَرض العمل الألم السوري في صور مكثفة ومؤذية مع غياب المعالجة المتأنية.
لاحقًا، اتخذ الجدل حول المسلسل بعدًا أخلاقيًا، خصوصًا مع اعتراض رابطة عائلات قيصر ومجموعة من الناشطين وذوي المغيبين على تحويل ملف المفقودين إلى مادة ترفيهية أو تجارية، في وقت لم يتم الكشف فيه عن مصير ذويهم إلى الآن، وترافقت تلك الاعتراضات مع مطالبات بوقف العرض.
"الخروج إلى البئر"
وفي مدار مشترك مع مسلسل "قيصر"، تدور أحداث مسلسل "الخروج إلى البئر" حول أحداث عصيان سجن صيدنايا الشهير عام 2008، مسلطًا الضوء على تمرد السجناء والمفاوضات التي جرت بينهم وبين الأجهزة الأمنية، ذلك في موازاة خط درامي يرصد ما تمر به أسرة المعتقل، سلطان الغالب، الذي يلعب دوره الفنان البارز جمال سليمان، تحت وطأة الغياب القسري، ويقدّم العمل نفسه بوصفه معالجة إنسانية لمعاناة المعتقلين وعائلاتهم عبر تقاطع (الداخل) حيث تعذيب السجناء وحكايات القهر مع (الخارج) حيث الانكسار النفسي والتفكك الاجتماعي.
شهدت حلقات المسلسل، تفاعلًا واسعًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وانقسامًا بين من اعتبره محاولة جدّية لمعالجة ملف سجناء صيدنايا دراميًا، وبين من اعتبر أن المعالجة ذاتها موجّهة للتركيز على خلفيات بعض السجناء الإسلاميين، في نوع من التعاطف غير النقدي مع هذه الخلفيات، أو تبرير غير مباشر لسياقات تاريخية معقدة لا تزال بحاجة إلى النقاش.
ولكن على الجهة الأخرى، تناول المسلسل نموذج التشدّد الديني عبر شخصية "فهد بن سلطان" ويلعب دوره الممثل خالد شباط، الذي ينحرف للتشدد في غياب والده المسجون، فيتعامل مع الحياة بمنطق التحريم والمنع، ويتدخل في تفاصيل أسرته ويعترض على مظهر أخته ويقسم بيته نصفين لمنع اختلاط زوجته بأخيه. ورأى نقاد، أن ظهور هذه الشخصية خلق نوعًا من التوازن؛ حيث ميّز بين التديّن المعتدل والمتشدّد.
وفي كل الأحوال، لم تصل الاعتراضات على المسلسل إلى حد الرفض المطلق والمطالبة بوقف عرضه مثل "قيصر"، لكنها وضعته أمام سؤال أخلاقي مشابه حول إعادة تمثيل أحداث السجن سيء الصيت في وقت لا تزال فيه مصائر المغيبين مفتوحة، وكلاهما اصطدم إلى درجة ما بسقف توقعات جمهور لا يريد عرض المأساة فقط، وإنما ينتظر قراءة أعمق بعيدًا عن أي شبهة توظيف للألم أو اختزاله.
"مولانا"
أما المسار الثاني، الذي يركّز على الترفيه والتشويق، فتبرز فيه أعمال مثل "مولانا"، الذي يمزج بين الإثارة والكوميديا السوداء عبر قصة رجل هارب تقدّسه قرية ليدخل في سلسلة من المفارقات الاجتماعية والدينية، مستثمرًا كاريزما بطله النجم السوري تيم حسن. وكذلك مسلسل "بخمس أرواح"، الذي يرصد حكاية نبّاش قمامة يكتشف أنه ابن غير شرعي لمليونير، ويُشترط لنيل الإرث العثور على إخوته الأربعة، ما ينسج شبكة علاقات بين عوالم اجتماعية متباعدة.
يطرح "مولانا" بدوره فكرة سياسية بامتياز حول ولادة الزعامات، عبر سؤال مركزي: هل القائد يصنع نفسه أم تصنعه الجماعة؟ وتبدأ الحكاية بجريمة يرتكبها البطل جابر حين يقتل زوج شقيقته المؤيد لنظام الأسد، فيفرّ إلى قرية حدودية تدعى "العادلية" ينتظر أهلها مخلّصًا منحدرًا من نسب مقدسة لأحد أولياء القرية. وبفعل سلسلة من المصادفات ينتحل جابر هوية الوريث الروحي المنتظر، فتسقط عليه الجماعة آمالها وتحوّله إلى رمز للخلاص.
يتكئ العمل على هذه الفرضية ليكشف ميل المجتمعات، عند ضيق الخيارات، إلى اختراع مخلّص يعكس رغبتها في النجاة، خصوصًا أن القرية تعيش تحت سلطة جيش الأسد الذي يتحكم بالأرض والمصائر، فتغدو شخصية "مولانا" مرآة لهذه الحاجة الجماعية.
وقد دفع ذلك بعض المتابعين إلى مقارنة المسلسل بالفيلم الإيراني "السحلية" من حيث فكرة الشخصية الهاربة من العدالة التي تتقمص دورًا دينيًا وتجد نفسها محمولة بتوقعات تفوق حقيقتها.
كما يحضر البعد السياسي المرتبط بحقبة الأسد عبر عناصر مثل سيطرة الجيش على القرية، ومصادرة الأراضي، وخطر التجنيد الإجباري، إلى جانب خطاب أمني يبرر كل شيء بشعارات حماية الوطن، غير أن العمل يقدّم هذه العناصر بوصفها خلفية سردية مدمجة في الحبكة دون خطاب مباشر، ما يجعل طرحها أكثر سلاسة من أعمال أخرى.
ولا يرتبط نجاح المسلسل فقط بحضور نجمه تيم حسن أو تحوّل بعض مفرداته إلى "تريند"، بل بقدرته على تحويل سؤال سياسي ثقيل إلى حكاية ساخرة نسبيًا تتقاطع فيها الحبكة المكتملة مع السخرية ونقد فكرة الزعامة وصناعة القداسة.
© قنطرة