شعب يتأرجح بين نشوة التحرير وخشية المستقبل

رجل يجلس على حصان أبيض ممسكاً بالعلم السوري الجديد. وخلفه مبانٍ في المساء.
سوريون يحيون الذكرى الخامسة عشرة لاندلاع الاحتجاجات في سوريا، دمشق، مارس/آذار 2026.(Photo: picture alliance / AP | O. Sanadiki)

لم تنطفئ بعد نشوة التحرير في سوريا؛ إذ يثني معظم السوريين على إنجازات الحكومة الجديدة، لكن وراء هذا التفاؤل، يتباطأ التغيير السياسي وتعاود أنماط الحكم المركزي القديمة الظهور، كما يكتب المحلل البريطاني السوري روبن ياسين قصاب.

تقرير: روبن ياسين قصاب

عندما انهار نظام الأسد في سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024، تلا ذلك في البداية موجة من النشوة، فقد استغرق الهجوم الأخير للفصائل المسلحة أحد عشر يومًا فقط للوصول من إدلب إلى دمشق. ولم يخض جيش الأسد معركته الأخيرة في العاصمة كما كان يخشى كثيرون، بل تفكك ببساطة، ولم تشهد المعارك الأخيرة مجازر طائفية، كما لم تسفر تقريبًا عن سقوط ضحايا مدنيين. وهكذا سقط حكم استبدادي استمر أكثر من نصف قرن بالإرهاب، بنحيب خافت غير مدوٍِ. 

لم يصدق السوريون حظهم؛ فبعد عقودٍ حُظرت فيها التجمعات العامة، اندفع الرجال والنساء على اختلاف مشاربهم من علمانيين ومتدينين، إلى الشوارع احتفالًا، وسرعان ما خفتت أصوات إطلاق النار والزغاريد التي ملأت الأيام الأولى، لتحلّ محلها حلقات الرقص الجماعي والتلويح بالأعلام في الساحات العامة، وأصبح صدى الأغنية الثورية: "ارفع راسك فوق، أنت سوري حر" يُسمع في كل مكان. 

كما أضاءت احتفالات أصغر المدن والقرى السورية المدمرة، مع عودة النازحين إلى ديارهم ولمّ شملهم أخيرًا بذويهم، وقد عاد أكثر من ثلاثة ملايين سوري، بمن فيهم اللاجئون والنازحون داخليًا، إلى مناطقهم الأصلية. واستمرت الحماسة العارمة التي أطلقتها لحظة التحرير. حتى بعد مرور عام، رأيت أُناسًا في مطار دمشق وهم يرتدون علم الثورة.  

 في الواقع، استغرقت عملية التحرير وقتًا أطول بكثير من أحد عشر يومًا؛ فقد جاءت عقب نحو أربعة عشر عامًا من الثورة والحرب، جرى خلالها استنزاف النظام تدريجيًا، فيما تفتت البلاد إلى إقطاعيات تسيطر عليها الميليشيات، وأُجبر أكثر من نصف السكان على مغادرة منازلهم، واضطر كثير من السوريين إلى اللجوء إلى "هويات ما دون وطنية" طلبًا للحماية والتضامن، سواء كانت طائفية أو مناطقية أو إثنية. أما الثورة المدنية والديمقراطية، التي أفرزت مئات المجالس المحلية بنظام الإدارة الذاتية، فقد غرقت إلى حد كبير في العنف، وسُحقت على يد أمراء الحرب المحليين والدول الأجنبية. 

لذلك، ورغم سقوط النظام، ليس دقيقًا تمامًا القول إن الثورة انتصرت؛ فما حدث هو أن أقوى الفصائل المسلحة، وهي "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع، تولت السلطة بعد فرار الأسد. وقد أثار ذلك قلق كثير من الثوريين المدنيين الأوائل، ويقول زميلي عامر مطر، مدير المشروع التوثيقي "متحف السجون"، الذي اقترح عنوان كتابي عن سوريا الجديدة، صراحةً: "قبل عشر سنوات كانت جماعة [الشرع] تقطع رؤوس الثوار. كيف يمكن أن نأتمن هؤلاء الناس؟ هناك دم بيننا". 

هيئة تحرير الشام تحكم بمراسيم رئاسية

كان بالطبع وصول ميلشيا إسلامية متشددة إلى السلطة في سوريا متعددة الثقافات إلى الحكم أمرًا إشكاليًا، لكن الوضع كان مرشح أن يكون أسوأ بكثير. وقد خففت متطلبات السلطة من حدة ميليشيا تحرير الشام خلال فترة سيطرتها على منطقة إدلب، حيث ابتعدت عن السلفية الجهادية واتجهت نحو التيار السني التقليدي، وسمحت للمجتمع المدني بالمشاركة في تقديم الخدمات، وتعلمت تقبل مستوى معين من المعارضة. لم يكن ذلك استيلاءً من تنظيم "داعش"، كما ادعى بعض المروجين، بل وصول ميليشيا إلى الحكم كانت قد حاربت "داعش" و"القاعدة"، وتعاونت مسبقًا مع قوى مثل تركيا والولايات المتحدة. 

يدعم معظم السوريين الحكومة الجديدة ويشيدون بإنجازاتها الواضحة، ولولا انضباط هيئة تحرير الشام وقوتها العسكرية، لما تحقق التحرير. ومنذ ذلك الحين، أعادت الحكومة التي تقودها الهيئة شمال شرق البلاد، الذي كان خاضعًا لقوات سوريا الديمقراطية، إلى سيطرة الدولة المركزية، بما ضمن بقاء الدولة السورية. كما ساعدت دبلوماسيتها المرنة في إعادة ربط سوريا، المعزولة طويلًا، بالعالم، والمساهمة في رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية. وتبدو التحسينات الاقتصادية واضحة، مثل توفر الكهرباء طوال اليوم في بعض المناطق، حتى وإن بقي الاقتصاد في حالة أزمة. 

ومع ذلك، فإن الحكومة تُعد "ثورية" فقط بالمعنى الضيق للكلمة، أي بمجيئها بعد انهيار النظام القديم، فبدلًا من إنشاء مجلس انتقالي يمثل مختلف التيارات السياسية السورية، اليسارية والليبرالية والقومية إلى جانب الإسلامية، احتفظت السلطة الفعلية داخل دائرتها الخاصة. وقد نظمت بالفعل "حوارًا وطنيًا" قصيرًا، لكنه لم يكن وطنيًا بحق، ولا حوارًا حقيقيًا. 

حتى اللحظة، هناك اعتماد مفرط على المراسيم الرئاسية للحكم، ويأمل البعض بأن يكون ذلك الوضع مؤقتًا، نظرًا للحاجة إلى إعادة بناء المنازل، وعودة اللاجئين وتسجيلهم قبل إجراء انتخابات وطنية ذات مغزى، لكن ثمة مخاوف تساور المراقبين من بطء وتيرة الإصلاح السياسي، فعلى سبيل المثال، لم يُسن حتى الآن قانون للأحزاب السياسية، ما يعني أن السوريين ما زالوا محرومين من فرصة التنظيم السياسي على المستوى الوطني. 

بين النشوة والصدمة

إلى جانب الضغوط الاقتصادية الطاحنة، أدت هذه العملية غير الواضحة إلى تراجع نشوة التحرير الأولى وتصاعد خيبة الأمل. والأسوأ من ذلك أن بعض "الأقليات" التي جرى طمأنتها في البداية بدأت تخشى الحكومة، أو على الأقل النظام "السني" الجديد وما يرتبط به من سياسات هوياتية حادة، فكون ميليشيا إسلامية مكرسة لحماية وخدمة الأغلبية السنية في البلاد قد وصلت إلى السلطة، منح هذه الأقليات سببًا للخوف من التهميش. 

ويشعر كثير من العلويين أنهم يتعرضون لعقاب جماعي بسبب جرائم نظام الأسد الذي هيمن عليه العلويون. ففي مارس/آذار 2025، وبعد تمرد موالٍ للأسد في مناطق علوية، ارتكبت بعض الميليشيات الموالية للحكومة مجازر طائفية بحق مدنيين علويين، ولا تزال عمليات الخطف والقتل المتفرقة مستمرة، ثم في يوليو/تموز 2025، ارتكبت قوات موالية للحكومة مجازر ضد مدنيين دروز في السويداء، وهو ما شكّل، بلا شك، أدنى نقطة في المرحلة الانتقالية. واليوم، لا تزال السويداء تعيش في صدمة عميقة، ومُصممة على عدم الاعتراف بسلطة الدولة المركزية. 

تشكل الصدمة، وما ينجم عنها من استياء وغضب، الثقل السلبي المقابل للحماسة، فقد مزقت الديكتاتورية والحرب، المجتمعات، سواء العائلات والقرى بقدر الطوائف والإثنيات، وغالبًا ما تسعى للانتقام من بعضها البعض، وهناك دم بين السوريين بهذا المعنى أيضًا. 

كيف يمكن إعادة لم شمل البلاد؟ وكيف يمكن الحيلولة دون لجوء المظلومين من تطبيق القانون بأيديهم، مما قد يُشعل بدوره دوامات جديدة من الانتقام والثأر؟ إن إقرار برنامج شامل وشفاف للعدالة الانتقالية أمر أساسي، غير أن المسار الحالي يظلّ قاصرًا، وبطيئًا، ومليئًا بالثغرات. 

وتراهن الحكومة على أن النمو الاقتصادي كفيل بتهدئة النفوس، لكن نهجها القائم على مبدأ السوق الحرة، عبر رفع الدعم والسماح بالاستيراد دون رسوم جمركية، يثير الغضب أيضًا، ومع تفاقم الأزمة بفعل الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، تشهد سوريا أزمة حادة في تكاليف المعيشة، وخرجت احتجاجات مؤخرًا بسبب أسعار الكهرباء، وسعر شراء الدولة للقمح من المزارعين. 

Here you can access external content. Click to view.

تعد الحكومة، السوريين المنهكين من الحرب بالاستقرار، وعلى الرغم من أنه لا أحد يريد العودة إلى الفوضى العنيفة، إلا أن التركيز المفرط على الاستقرار ينطوي على مخاطرة تمكين السلطات الانتقالية من بناء نظام يتسم مجددًا بالمركزية والنزعة السلطوية، فضلًا عن جموده الشديد الذي يجعله عُرضة للانهيار التام في حال تعثره. بعبارة أخرى، قد يؤدي السعي إلى الاستقرار في النهاية إلى إعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار المزمنة نفسها. 

حرية، كرامة، وعدالة الاجتماعية

لن يكون من السهل على سوريا أن تشقّ طريقها بين صخرتي النقيض: الفوضى أو الحكم السلطوي، إذ يبدو كلا الاحتمالين أكثر ترجيحًا بالنسبة لبلد خارج لتوه من حرب ومثقل بالصدمات، مقارنة ببديل آخر أكثر سعادة وديمقراطية، لكن السوريين دفعوا بأرواح مئات الآلاف من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، كما جاء في أحد شعارات احتجاجات 2011، وهي الأهداف التي تظلّ راسخة في وجدان الكثيرين منهم. 

ويمكن أحد بواعث التفاؤل في سوريا هي استمرار الحماسة في قلوب معظم السوريين، حتى وإن امتزجت الآن بخيبة الأمل؛ فالحماسة ليست مجرد مورد يمكن للسلطة استثماره أو خسارته، بل هي قوة إيجابية بحد ذاتها. 

إن السوريين سعداء للغاية برحيل الأسد، وأن الحرب انتهت إلى حد كبير. إنهم يريدون لدولتهم الجديدة أن تعمل من أجلهم، وهم مستعدون للعمل بجد لتحقيق ذلك. وهذا يعني التعاون مع الجيران لإيجاد حلول للمشكلات اليومية الملحة. ونتيجة لذلك، تزدهر الديمقراطية المحلية. 

ويبقى السؤال: هل ستغدو المشاركة الشعبية قاعدة على المستوى الوطني أيضًا؟ أم أن موجة الحماسة التي تدفع المجتمع إلى الأمام ستتحطم تحت وطأة الصدمة النفسية المضادة؟ 

يصدر أحدث كتب روبن ياسين قصاب بالإنجليزية بعنوان "الدماء بيننا: سوريا بعد سقوط الأسد"، في 4 يونيو/حزيرام عن دار "ساقي للكتب". 

 

ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي 

قنطرة ©