تاريخ اليهود في إيران: ضياء وظلال

يُقام في معرض الشتات في تل أبيب معرض خاص يتناول تاريخ اليهود في إيران والعوامل السياسية والاجتماعية والثقافية التي تركت بصماتها على حياة اليهود وتاريخهم في إيران. غونودولا مادلينه تيغتماير تجولت في أروقة هذا المعرض وأعدت التقرير التالي لموقع قنطرة للحوار مع العالم الإسلامي.

​​لليهود في إيران تاريخ طويل، لكن صفحاته تتنوع بين المظلم والمشرق. إن تاريخ اليهود الإيرانيين يمتد إلى 2700 عام، تبدأ بتحريرهم من الأسر البابلي على يد الملك كورش الكبير. في عام 636 أسقط العرب الإمبراطورية الفارسية، ومن ثم بدأت أسلمة الشعب الفارسي. ومنذ 144 عام يعيش اليهود في إيران تحت الحكم الإسلامي حتى اليوم.

بعد أعمال تحضيرية استمرت لأكثر من عامين جُمعت 260 قطعة عرض من المتاحف والمجموعات الخاصة، تظهر للمرة الأولى للجمهور آثاراً ثقافية وتاريخية. صور وأفلام قصيرة لمقابلات تقدم للزائر معلومات وثائقية ونظرة إلى الحياة اليهودية في الماضي والحاضر. إضافة إلى ذلك تم دمج أعمال لفنانين إيرانيين معاصرين في تصميم المعرض بنجاح.

لا يقدم المعرض مقتنياته بتسلسل تاريخي، بل قُسم إلى قاعتي عرض بمواضيع مختلفة لكل منهما. وطبقا للشعار الجديد للمتحف يتم مد طيف يبدأ في الماضي وينتهي في الوقت الحاضر. في قاعة العرض الأولى يمر الزائرون عبر مجموعة من المواضيع. تحت شعار "جذور وهوية" يُقدم نموذج مقلد من أسطوانة كورش (بابل 538 قبل الميلاد) بتعاليمها الشهيرة والتي توجد نسختها الأصلية في المتحف البريطاني.

تسامح ديني خلال حكم كورش الكبير

بعد انتصاره على البابليين سمح كورش الكبير لليهود بالعودة إلى بلدانهم الأصلية. كما ضمن لهم حرية ممارسة شعائرهم الدينية في إمبراطوريته. ومن الملفت للنظر هنا هو دعمه لبناء المعبد الثاني في القدس. وبقي الكثير من اليهود بعد تحريرهم من الأسر البابلي، وأصبحوا أقلية دينية تلقى تسامحاً في الإمبراطورية الفارسية. وحتى يومنا هذا ما زال كورش الكبير يلقى احتراماً كبيراً لدى اليهود الإيرانيين لتسامحه. لكن مع صعود الساسانيين، الإمبراطورية الفارسية الثانية الكبرى (من 224 تقريباً وحتى 651 ميلادي)، ظهرت جوانب مظلمة من تاريخ اليهود في إيران: فقد تمت ملاحقتهم وقمعهم.

ومع بداية القرن السادس عشر وصل إمبراطورية الصفويين إلى الحكم وأعلن ملوكها المذهب الشيعي ديناً للدولة. وخلال حكم الصفويين اُعتبر غير المسلمين كفار أنجاس. وفي الفترة اللاحقة تجاوز الأمر ذلك إلى ممارسة تغيير الدين بالإكراه، وهذا ما حدث أيضاً لليهود الموجودين في مشهد. وللنجاة من الزواج المختلط كان اليهود يقومون بتزويج الأطفال. وفي صندوق عرض زجاجي تم عرض ملابس زواج. وعلى الرغم أو بالأحرى إجابة على هذا المحيط العدائي الجديد أثبت اليهود جانباً كبيراً من الإبداع. وأكثر من أي وقت آخر مضى كان عليهم حماية هويتهم وتقوية اعتزازهم بالنفس.

في هذا السياق يلعب "سفر إيستر" وتحقيق الذات مع المردخاي وإيستر، شخصيتي قصة بوريم، دوراً محورياً في تاريخ اليهود الإيرانيين وحياتهم. ومن يتقن العبرية، يمكنه القراءة في لفافات إيستر الأصلية عن الموقف الشجاع لهذه الشخصية من أجل الشعب اليهودي. وتعود هذه اللفافات إلى القرنين الثامن والتاسع عشر.

وفي هذا الجزء من المعرض ينتظر الزائر أيضاً قطع نفيسة أخرى: ألواح طينية يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد. وتنتمي إلى أوائل الدلائل التاريخية على الشتات والحياة اليهودية في إيران. وبالخط الأكدي وبكلمات آرامية وعبرية أحياناً يوصف بالتفصيل التجارة النشيطة والحياة اليومية لليهود في مدينة "اليهودو"، وهي اليوم أصفهان. وتتراسل الأعمال الحداثية لفنانين معاصرين من أصول إيرانية في هذا الجزء من المعرض مع المقتنيات المعروضة وتعكس ترابطاً قوياً مع الإرث اليهودي-الإيراني.

دور متميز للموسيقى

الصورة ميراجي فاميلي
وجود تاريخي لليهود ، تعاد إحياء مظاهره في هذا المعرض

​​ ومجموعات المواضيع الثلاثة الأخرى فقد تم تخصيصها للموسيقى والشعر والعادات والتقاليد، إضافة إلى موضوع "الثقافات داخل الثقافات". وتلعب الموسيقى دوراً كبيراً في حياة اليهود الإيرانيين. ومع استقرار المذهب الشيعي على يد الصفويين تم منع تأليف الموسيقى الدنيوية وعزفها منعاً باتاً. لكن هذا المنع لم يسر على الأقليات الدينية. إن اليهود الإيرانيين قاموا بدور محوري في حفظ إرث الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية.

ميناشي ساسون، وهو احد أساتذة العزف على السنطور، قدم للمعرض مجموعة من الآلات الموسيقية التراثية الإيرانية من مجموعته الخاصة. وتأثير الموسيقى الكلاسيكية الإيرانية يقود بهدوء إلى عالم آخر، ولم يستطع يهود الشتات من التنصل من التأثيرات الثقافية لمحيطهم. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك تعويذات الحفظ التي يمكن مشاهدتها في أروقة المعرض. كما نجد لتأثيرات الإسلامية واضحة في زخارف كتب الصلوات اليهودية. في القاعة الثانية يتم التركيز على مواضيع من التاريخ الحديث ليهود إيران، وهذه المواضيع مقسمة إلى "رياح الغرب" و "رياح الصهيونية" و"ورياح الرخاء"، إضافة إلى "رياح الثورة".

إن التأثير الغربي المتزايد في إيران يقود في نهاية المطاف إلى الثورة الدستورية (1905-1911) وقوى من الحقوق ووضع الأقليات الدينية. وأُجبر الشاه مظفر الدين قاجار على تشكيل برلمان، وللمرة الأولى في تاريخهم بات بإمكان اليهود في إيران انتخاب ممثل يهودي في مجلس النواب. وإحدى صور مجموعة العائلة الكبيرة تظهر اليهود في إيران في احتفال إحياء الذكرى الأولى للثورة.

ارتباط روحي بإسرائيل

الصورة شلومو سايفلي

​​لطالما شعر اليهود الإيرانيون بارتباط روحي كبير بإسرائيل، وهذا الشوق إلى إسرائيل يتضح في صلواتهم وأشعارهم. وحتى اليوم يحج اليهود إلى كهف سارا بت آشر في أصفهان، وبحسب رواية قديمة فإن المغارة فيها نفق سري يقود إلى القدس مباشرة. في عام 1919 تم تأسيس "اللجنة المركزية للاتحاد الصهيوني في إيران"، وأعضاء هذا الاتحاد اجتمعوا عام 1920 في همدان لالتقاط صورة جماعية. ومعروض آخر من ذلك الوقت هو بطاقة عضوية أصلية للاتحاد الصهيوني. وخلال إرهاب الحقبة النازية انتهى مصير آلاف اليهود الهاربين إلى إيران. وعملية "أطفال طهران" ما زالت شاهداً على واحدة من أكبر عمليات الإنقاذ، والتي تم تنفيذها من قبل يهود إيرانيين والوكالة اليهودية. وملأت إقامة دولة إسرائيل عام 1948 اليهود الإيرانيين بالفخر، ففي الخامس من مايو/ أيار 1948، بعد يوم واحد من إعلان الاستقلال، وقف يهوديان في فناء الوكالة اليهودية للتصوير إلى جانب العلم الوطني الإسرائيلي.

وفي الفترة المحصورة بين عامي 1948 و1953 حدثت أول موجة هجرة كبيرة إلى إسرائيل. وللمرة الأولى منذ أسلمة إيران اُعتمدت المساواة الاجتماعية بين الأقليات الدينية والمسلمين، وذلك خلال حكم الشاه رضا بهلوي وأبنه وخليفته محمد رضا بهلوي، فبات بإمكان اليهود الآن مغادرة أحيائهم اليهودية البحتة. إن الجالية اليهودية في إيران شهدت طفرة اقتصادية، وفي ظل "الثورة البيضاء" عام 1963 بدأ عصر ذهبي لليهود الإيرانيين، فقد حرص محمد رضا بهلوي على إقامة علاقات جيدة بدولة إسرائيل.

نتائج الثورة الإسلامية

تظهر إحدى صور المعرض الجنرال الإسرائيلي موشي ديان عام 1960 خلال زيارة إلى إيران، وهو يقف أمام مدخل أحد المساجد. وفي صندوق عرض زجاجي يُعرض عدد من مجلة "طهران المصورة" التي لاقت إقبالاً كبيراً، والعدد الصادر في 16 حزيران/ يونيو 1967، يضع صورة ديان هذه على غلافه.

لكن التقلبات التي أتت بها "الثورة البيضاء" لاقت مقاومة بعض فئات الشعب الإيراني، ما مهد في النهاية الأرضية لقيام الثورة الإسلامية. ومجموعة من الصور المعروضة في هذا الجزء من المعرض توثق التضامن الكبير ليهود إيران مع بقية فئات الشعب. وفي عشية الثورة الإسلامية خرج اليهود بطهران بمظاهرة ضد الشاه، في إحدى الصور يظهرون وهم يحملون لافته، كُتب عليها: "صلاتنا بالشعب الإيراني لا يمكن أن تنقطع!". وحتى كبير الحاخامات یدیدیا شوفط أنظم بدوره إلى هذه الاحتجاجات.

وفي صورة أخرى يظهر شوفط وأبنه، الحاخام دافيد شوفط، في إحدى مظاهرة في طهران. إن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تركت أثرها الواضح على الحياة اليهودية في إيران، فإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران سبب موجة ثانية كبيرة من موجات هجرة اليهود من إيران. وآلاف اليهود تركوا موطنهم طهران وذهبوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وإسرائيل.

 

غونودولا مادلينه تيغتماير

ترجمة: عماد مبارك غانم

مراجعة: هشام العدم

حقوق النشر: قنطرة 2011

 

 

المزيد من المقالات من موقع قنطرة للحوار مع العالم الإسلامي 

 

 

اليهود العرب والأدب العربي: اللغة والشعر والهويّة المتفرّدة

 

يبدو تصوّر الهويّة اليهودية-العربية المشتركة متعذّر اليوم بحكم الوضع السياسي القائم في الشرق الأوسط، بيد أنها كانت حقيقة واقعة قبل الحرب العالمية الثانية، كما هي الحال مع الهويّة اليهودية-الألمانية. شهود هذه الهويّة اليهودية-العربية الممتزجة هم اليهود الناطقون باللغة العربية وشعراؤها.

 

قصص للكاتبين سمير نقاش وشالوم درويش: نحيب يهودي-عراقي أخير

 

"إرحل عن الوطن وعن أرض أجدادك" مجموعة قصصية لكتاب مهاجرين يهود-عراقيين في إسرائيل. هؤلاء الكتَّابُ المنحدرون من أصول كهذه معرضون لكل التجاذبات الموجودة لأن مواقفهم لا تتلاءم مع نمط الدولة القومية السائد. مراجعة بقلم أندرياس بفليتش.

 

من لمبرغ إلى باكستان: قصة رحالة يهودي أعلن إسلامه

 

ليوبولد فايس ولد في عائلة يهودية ثم اعتنق الإسلام لينتهي بترجمة القرآن إلى اللغة الأنكليزية؛ حياة تنقل دائم ماتزال مثار إعجاب إلى اليوم.

 

إسرائيل وذاكرة اليهود العرب والإيرانيين

في 2019، انتظم معرض في تل أبيب بعنوان “رحلة بلا رجعة” يربط بين رحيل اليهود العرب والإيرانيين وبين ما كان عليه وضعهم في بلدهم الأصلي. لكن عددا من المؤرخين في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والشرق الأوسط يسائلون هذه السردية. في هذا المقال، يقدم المؤرخان ليور ب. ستيرنفيلد ومناشي أنزي بعض محاور أبحاثهم حول هذا الموضوع.