ثمن البقاء خارج فلك أردوغان

صف من الرجال يرتدون بدلات يصلون في مسجد.
يتبع أردوغان استراتيجية لاستقطاب المحافظين السنّة في تركيا إلى معسكره. (Photo: picture alliance / Anadolu | TUR Presidency/Murat Kula/Handout)

لطالما قاومت جماعة "السليمانيين" الدينية الانخراط في ائتلاف أردوغان السني المحافظ، وتتهم السلطات الآن الحركة بارتكاب مخالفات مالية. يتتبع سليم تشيفيك التاريخ السياسي للجماعة، ومحاولات النظام لإخضاعها، وروابطها الممتدة إلى ألمانيا.

تقرير: سليم تشيفيك

شنّت السلطات التركية، في 13 أغسطس/آب، عملية ملاحقة واسعة النطاق ضد جماعة السليمانية، وهي واحدة من أكبر الشبكات الدينية السنية في تركيا، وجرى احتجاز زعيمها، علي خان كوريش، مع عشرات آخرين، بينما استُهدفت الشركات المرتبطة بالجماعة بسبب اتهامات بغسل الأموال والاحتيال وجرائم مالية أخرى.

وأصرّت الحكومة في البداية على أن التحقيق لا يستهدف الجماعة الدينية، بل منظمة إجرامية تتمحور حول كوريش، ولكن في اليوم التالي، امتد التحقيق ليشمل السكن الرئيسي للجماعة في إسطنبول، ما جعل من الصعب الحفاظ على هذا التمييز.

وسرعان ما جرى ربط استهداف السليمانيين في سياق العداء المتزايد بين الجماعة وحزب العدالة والتنمية بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، فبعد أن فشلت الحكومة في استمالة الجماعة أو دعم قيادات بديلة قادرة على جذبها إلى فلك حزب العدالة والتنمية، يبدو أنها لجأت الآن إلى أسلوب الإخضاع بالقوة.

نفوذ السليمانية وتعليم القرآن

تعود جذور جماعة السليمانية إلى سليمان حلمي توناهان، وهو عالم إسلامي وشيخ صوفي أخذ على عاتقه مهمة الحفاظ على تعليم القرآن في ظلّ العلمانية المقيدة التي سادت في أوائل الجمهورية التركية؛ إذ أنشأ توناهان شبكة غير رسمية لتلاوة القرآن وحفظه، في وقت اختفى فيه التعليم الديني التقليدي إلى حد كبير من الحياة العامة.

وظلّ تعليم القرآن سمة مميزة لحركة السليمانية، حيث شكّلت شبكة دورات تحفيظ القرآن وسكن الطلاب بنيتها التحتية التنظيمية، وحتى بعد أن بدأت الدولة تخفيف القيود على الممارسات الدينية، وأنشأت مدارس "إمام خطيب" الدينية، ووسّعت رئاسة الشؤون الدينية (ديانت) نطاق حضورها، بقي السليمانيون ينظرون بشكّ إلى التعليم الديني الذي تشرف عليه الدولة.

ومع إصرارهم على أن أسلوبهم الخاص في التدريب، ولا سيما في تعليم تلاوة القرآن، يتمتع بخصوصية وتميّز، واصلوا إدارة شبكة تعليمية مستقلة إلى حدّ كبير، وهو ما أسهم في ترسيخ عزلتهم النسبية داخل المشهد الديني في تركيا.

back and white photo of a man in a suit, wearing a white turban and a beard.
سليمان حلمي توناهان، مؤسس جماعة السليمانية. (Photo: Wikimedia)

"يرغب الناس في إظهار دعمهم للبنان"

ومع ذلك، حافظ السليمانيون على انتمائهم إلى التيار السني المحافظ التقليدي السائد في تركيا؛ كجماعة قومية، وموالية للدولة، وذات نهج سياسي براغماتي من دون أن تعادي النظام. وعلى غرار الجماعات الدينية الأخرى، تُموّل شبكتها بشكل كبير من خلال التبرعات، وقد أقامت مجمعات سكنية للطلاب وممتلكات وأعمالًا تجارية، حيث تعمل المنظمات الرسمية جنبًا إلى جنب مع أنشطة جمع التبرعات غير الرسمية المتبعة منذ زمن طويل؛ وهو إرث من عقود قضتها الجماعة في العمل تحت قيود قانونية وسياسية.

وامتد نفوذ الجماعة إلى أوروبا الغربية مع قدوم المهاجرين الأتراك بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، وأنشأت الجماعة إحدى شبكات المساجد التركية-الإسلامية الثلاث الرئيسية في ألمانيا، التي تُدار اليوم من خلال "رابطة المراكز الثقافية الإسلامية" (VIKZ)، ومقرّها في كولونيا.

العلاقة مع أردوغان

سعت الجماعات الدينية في تركيا تاريخيًا إلى تحقيق مصالحها من خلال التماهي مع النظام بدلًا من الصدام معه. ومنذ انتقال البلاد إلى نظام التعددية الحزبية في أربعينيات القرن الماضي، دأبت هذه الجماعات عادةً على بناء علاقات قائمة على المحسوبية وتبادل المصالح مع الأحزاب السياسية، حيث كانت تمنح دعمها الانتخابي مقابل الحصول على فرص للنفوذ والموارد والحماية.

واتسمت علاقة السليمانيين بالنظام السياسي بقدر كبير من التقارب؛ فقد تولّى قادة الحركة، الذين خلفوا توناهان في قيادتها، عضوية البرلمان في مناسبات عدة، بينما اتجهت الجماعة تاريخيًا إلى دعم أحزاب يمين الوسط، بدلاً من الحركات السياسية التركية ذات التوجه الإسلامي الواضح، لكن هذا التوازن تبدّل بصورة لافتة مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2002. فبينما نجح أردوغان في استقطاب شريحة واسعة من القاعدة المحافظة والمتدينة في تركيا تحت مظلة الحزب، اختار السليمانيون مسارًا مختلفًا، إذ واصلوا دعم خصومه في مناسبات عديدة.

ورأى معلّقون مؤيدون للحكومة أن الإجراءات المشددة بحق الجماعة جاءت ردًا على امتناعها عن دعم أردوغان، وعلى تاريخها في مساندة منافسيه. ورغم أن هذه المسألة لا تشكل جزءًا من القضية الجنائية الرسمية، فإن استحضارها لتبرير الحملة يكشف كيف تحوّل "عدم الولاء السياسي" بحد ذاته إلى مبرر لإثارة الشبهات.

ولم يكن إصرار السليمانيين على البقاء خارج دائرة النفوذ السياسي لحزب العدالة والتنمية مسألة انتخابية فحسب، بل اكتسب أهمية أوسع مع سعي الحزب المتزايد إلى إدماج الجماعات الدينية في مشروعه السياسي، عبر منح الجماعات المتعاونة معه فرصًا أكبر للوصول إلى موارد الدولة ومؤسساتها. وعندما لم ينجح في استمالة جماعة بعينها، اتجه أحيانًا إلى دعم شخصيات منشقة داخلها بهدف وضعها تحت قيادة أكثر قربًا منه، أو إلى إضعاف الجماعة من خلال تأجيج الانقسامات الداخلية فيها.

وتشكّل جماعة "السليمانيين" مثالًا واضحًا للغاية في هذا السياق؛ إذ ظلّت القيادة تقليديًا محصورة في عائلة "توناهان" الممتدة، وهو ما منح حزب العدالة والتنمية فرصة للعب على وتر الخلافات الداخلية للعائلة. وانضم محمد بيازيد دنيز أولغون، حفيد توناهان، إلى الحزب وشغل مقعدًا برلمانيًا فيه، وسار ابنه فاتح سليمان دنيز أولغون على النهج ذاته، حيث شغل عضوية البرلمان عن الحزب نفسه في الفترة ما بين عامي 2018 و2023.

ومع ذلك، لم ينجح أيّ منهما في استمالة الكتلة الرئيسية للجماعة؛ إذ ظلّت الغالبية العظمى وفية لأحمد عارف دنيز أولغون، حفيد آخر لتوناهان، ثم لابن أخيه علي خان كوريش، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة سياسية تفصلها عن أردوغان. ولذا، يبدو أن التحرك الراهن يمثّل مرحلة ثالثة في مسار هذه العلاقة؛ فبعد فشل محاولات الاستيعاب ومساعي تمكين قيادة بديلة، جاء اللجوء إلى أسلوب الإكراه.

شبهات حول صلات خارجية

تتمثل الذريعة الرسمية لحملة القمع الحالية في أسباب مالية لا سياسية؛ إذ يزعم الادعاء العام وجود تدفقات مالية غير مبررة، وعمليات غسل أموال، ومخالفات أخرى تحيط بجماعة "السليمانيين" وشبكة من الشركات المرتبطة بها.

غير أن أساليب جمع التبرعات غير الرسمية والهياكل المالية غير الواضحة التي تستند إليها هذه الاتهامات ليست ظاهرة خاصة بالسليمانيين، بل تنتشر على نطاق واسع في الأوساط الدينية التركية. فقد اعتمدت جماعات دينية مختلفة، تاريخيًا، على التبرعات النقدية لتمويل مساكن الطلاب، وبرامج التعليم الديني، وشراء العقارات وغيرها من أنشطتها. ومن ثم، تبدو المخالفات المالية وحدها غير كافية لتفسير سبب استهداف السليمانيين تحديدًا بهذه الحملة.

كما أن الطريقة التي عرضت بها الحكومة القضية تتجاوز المزاعم المالية؛ فقد أشار وزير الداخلية، مصطفى تشيفتشي، صراحةً إلى أنشطة السليمانيين في ألمانيا، زاعمًا أن الجماعة تخطط لنقل عملياتها إلى مقرّ جديد قيد الإنشاء في مدينة كولونيا، وكان المفهوم الضمني لكلامه أن مجرد نقل الأنشطة إلى ألمانيا يثير الريبة، وإن كان الوزير لم يوضح السبب وراء ذلك.

ومع ذلك، فإن وجود الجماعة في ألمانيا ليس مستجدًا ولا يتم في الخفاء؛ فقد جرى إنشاء مقرّها الجديد في كولونيا عبر إجراءات معلنة، في خطوة تعكس مزيدًا من ترسيخ حضور منظمة دينية ألمانية ذات جذور مؤسسية تعود إلى سنوات طويلة. إلا أن أنقرة تنظر إلى هذا الحضور المؤسسي خارج البلاد باعتباره مصدرًا محتملًا للمخاوف الأمنية، وتضعه ضمن إطار أوسع من الشكوك والارتياب.

ويُعدّ تصوير الخصوم المحليين على أنهم مرتبطون بقوى أجنبية جزءًا مألوفًا من الأساليب السياسية التي يتبعها حزب العدالة والتنمية؛ وهي استراتيجية استُخدمت بشكل بارز ضد حركة "غولن" عبر مزاعم بوجود دعم أمريكي لها. والآن، توفر الشبكة الألمانية التابعة لجماعة "السليمانيين" مادة مشابهة لتصوير هذه الجماعة الدينية، التي تقع خارج نطاق السيطرة السياسية للحكومة، على أنها كيان أجنبي ومصدر تهديد.

ويكشف ذلك عن مفارقة لافتة؛ ففي تركيا، تواجه جماعة "السليمانيين" ضغوطًا على خلفية اتهامات مالية مرتبطة بالغموض وغياب الأطر المؤسسية الرسمية، وهما سمتان ارتبطتا تاريخيًا بعمل الجماعات الدينية في البلاد، لكن حين تتجه الجماعة في ألمانيا نحو مزيد من التنظيم المؤسسي والظهور العلني، يتحول هذا الحضور نفسه إلى سبب آخر لإثارة الشكوك والريبة من جانب أنقرة.

في عهد أردوغان، أصبح دعم الحكومة شرطًا شبه رسمي، ومتزايد الأهمية، لكي تحظى الجماعات الدينية بحماية الدولة وتتمكن من ممارسة أنشطتها دون تدخل. كما تحمل حملة القمع هذه تحذيرًا للجماعات الدينية الأخرى: فالبقاء خارج المدار السياسي للحكومة له ثمن، إذ بات الولاء السياسي يمثل، بشكل متزايد، بمثابة "ترخيص" لمزاولة العمل.

وفي عهد أردوغان، غدا تأييد الحكومة شرطًا شبه رسمي، يزداد أهمية، للحصول على حماية الدولة وممارسة النشاط الديني بعيدًا عن تدخلاتها. وتحمل الحملة الحالية أيضًا رسالة إلى الجماعات الدينية الأخرى مفادها أن الابتعاد عن الفلك السياسي للحكومة قد تكون له كلفة؛ إذ أخذ الولاء السياسي يتحول تدريجيًا إلى ما يشبه "ترخيصًا" لمزاولة العمل.

قنطرة ©