صفقات مع نخبة الأسد

Zwei Männer in Anzug stehen vor einem riesigen Bildschirm, auf dem hohe Geldsummen und Namen angezeigt werden.
جانب من إطلاق صندوق التنمية السوري في دمشق، سبتمبر/أيلول 2025. (Photo: Picture Alliance / ZUMAPRESS.com | M. B. Aldaher)

يقدم نظام هيئة تحرير الشام نفسه على أنه "مُحرر سوريا"، غير أنه يتعاون مع شخصيات من عهد الأسد لتوطيد سلطته، بدلاً من إجراء إصلاحات جذرية تنهي الممارسات القديمة، كما يكتب الباحث في العلوم السياسية والدراسات الإسلامية، منذر حيدر.

تقرير: منذر حيدر

سيطرت هيئة تحرير الشام ذات التوجه الإسلامي، على أجزاء كبيرة من سوريا منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، ويشكل وصولها إلى السلطة نقطة تحول سياسية بعد سقوط نظام الأسد، ترافقها تساؤلات حول الشرعية، ومساءلة الماضي، والعدالة الانتقالية.

وتنأى الحكومة التي تقودها هيئة تحرير الشام بنفسها عن جرائم نظام الأسد، وتُقدم نفسها كبديل للديكتاتورية والقمع والعنف المنهجي وتدّعي أنها تجسد بداية سياسية جديدة. ومع ذلك، فقد نشأت الجماعة نفسها من عباءة سلفية جهادية عنيفة؛ ويُتهم أعضاؤها بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وممارسة القمع.

وتشكل سياسة الذاكرة الانتقائية عائقًا أمام إقامة عدالة انتقالية حقيقية؛ فالتعامل مع الماضي يقتصر بشكل أساسي على جرائم نظام الأسد، في حين يجرى التقليل من شأن تاريخ العنف الذي ارتكبته أطراف أخرى، ولا سيما هيئة تحرير الشام، وهكذا ينشأ فهم غير متكافئ للتعاطي مع الماضي، ولا يبدو أن العدالة تُعتبر مبدأً توجيهيًا، بل أداة سياسية في يد أصحاب السلطة الجدد.

ومع ذلك، حتى هذه المحاسبة الانتقائية لا تزال تسير ببطء، في ظلّ تصاعد الضغوط الشعبية والمطالبات المستمرة بكشف الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي مواجهة هذا الضغط، كثّفت هيئة تحرير الشام من تقديم نفسها كسلطة قادرة على فرض النظام وإدارة المرحلة، ويبرز اعتقال أمجد يوسف في أبريل/نيسان 2026 مثالًا على ذلك، باعتباره المتهم الرئيسي في مجزرة حيّ التضامن في دمشق عام 2013. ومن خلال هذه الخطوة، تسعى القيادة الجديدة إلى إظهار قدرتها على التحرك، وإلى ترسيخ صورة مفادها أنها تقطع مع إرث جرائم النظام السابق.

غير أن الواقع السياسي يتناقض بشكل حاد مع هذه الصورة التي تُقدّمها القيادة الجديدة عن نفسها، فبدلاً من القطيعة الجذرية مع هياكل السلطة التابعة لنظام الأسد، تدمج القيادة الجديدة أعضاء من النخبة السابقة التابعة للأسد في هياكل الحكم والإدارة الخاصة بها. وبذلك، لا تبدو "البداية الجديدة" التي يُروج لها بمثابة تحول جذري، بل إعادة تنظيم انتقائية لشبكات السلطة والاقتصاد والأمن القائمة.

الاقتصاد: الصفقات بدلاً من المحاسبة

ويتجلى هذا بشكل خاص في القطاع الاقتصادي، فمن بين أمور أخرى، أبرم نظام هيئة تحرير الشام، اتفاقًا مع أحد أشهر المتربحين من عهد الأسد، وهو محمد حمشو، إذ بينما كانت الأنظار العامة موجهة نحو هجمات قوات الهيئة على المناطق الكردية الواقعة في روج آفا (شمال وشرق سوريا)، أعلن حمشو، في يناير/كانون الثاني 2026، أنه وقع اتفاقًا شاملاً مع الحكومة الجديدة، لتسوية وضعه القانوني، وأضاف أن الخطة تتمثل في بدء صفحة جديدة دون إعادة فتح ملفات الماضي.

يُعتبر حمشو رجل أعمال مقربًا جدًا لعائلة الأسد، ولقبه السوريون بـ"ملك الخردة"، لأنه كما قيل كان يجمع الخردة والمعادن والحديد من الأحياء التي دمرتها القنابل البرميلية، ويُعيد تدويرها وبيعها.

وفي هذا السياق، عمل مع "الفرقة الرابعة"، وهي وحدة نخبة مركزية تابعة للجيش السوري تحت قيادة ماهر الأسد، شقيق بشار المخلوع، ونتيجة لذلك، فُرضت عقوبات على حمشو من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منذ عام 2011.

وقد لعبت شخصيات مثل حمشو دورًا محوريًا في تمويل آلة الحرب والقمع التابعة لنظام الأسد وتثبيت استقرارها الاقتصادي، والأخطر من ذلك، أنه لم يُحاسب على ذلك حتى الآن على يد الحكومة الحالية، بل يُفترض أنه سيُعاد تأهيله عبر تسليم جزء كبير من أصوله للدولة السورية، ليبقى في سوريا "الجديدة" ويعود قلب السلطة، بدلًا من أن يُحاكم.

وقد شكّلت الحكومة الانتقالية، اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، في أبريل/نيسان 2025، من أجل مثل هذه الترتيبات المالية، وتتفاوض هذه اللجنة على وجه التحديد مع رجال الأعمال المؤثرين الذين سيطروا بالفعل على الاقتصاد السوري في عهد الأسد، الذين جمعوا ثرواتهم من خلال التهريب، والاتجار بالمخدرات، واقتصاد الحرب، والنهب، واستغلال المدن المدمرة.

وبالتالي، فإن هياكل اقتصاد الحرب لم تنهار، بل يُعاد تنظيمها قانونيًا وتوظيفها سياسيًا، ففي قضية حمشو، التي أثارت غضبًا عارمًا بين الرأي العام السوري، وجدت اللجنة نفسها مضطرة لإصدار بيان قالت فيه إن الاتفاق جاء في إطار برنامج الإفصاح الطوعي الذي يهدف إلى تحقيق "العدالة" الاقتصادية وضمان شفافية الأصول والممتلكات، لكن من وجهة نظر نقدية، فإن هذا النهج يحوّل التركيز من المسؤولية الجنائية إلى مجرد تسوية إدارية.

"وجوه السلام" ملطخة بالدماء

لا تقتصر الاتفاقات المبرمة مع الموالين السابقين للأسد على رجال الأعمال فحسب، بل تشمل أيضًا شخصيات عسكرية معروفة مثل فادي صقر، أحد أهم قادة "قوات الدفاع الوطني" التي تأسست عام 2013 كتحالف للميليشيات الموالية للحكومة؛ من أجل تخفيف العبء عن الجيش السوري، الذي أضعفته حالات الفرار من الخدمة والخسائر. 

علاوة على ذلك، لعبت هذه القوات دورًا محوريًا في قمع الاحتجاجات ومحاربة المعارضة، وسرعان ما تطور صقر من قائد محلي إلى قائد معروف على الصعيد الوطني، وكان أنصاره يطلقون عليه لقب "صقر قوات الدفاع الوطني".

إلا أن صقر يرتبط في ذاكرة كثير من السوريين في المقام الأول بدوره الرئيسي في مذبحة التضامن عام 2013، ووفق تقارير متسقة، أُعدم مئات المدنيين دون تهمة أو محاكمة، كما شاركت ميليشياته في نظام من الحصار والإعدامات الجماعية والنهب والعقاب الجماعي، وبسبب تورطه في هذه الجرائم، أصبح يُلقب بـ"جزار سوريا".

وبدلاً من المثول أمام المحكمة، ظهر فادي صقر علنًا في دمشق في يونيو/حزيران 2025، إلى جانب رئيس البلدية ورئيس "لجنة السلم الاهلي"، حسن صوفان، إذ أعرب عن تعازيه لأهالي خمسة شبان علويين، الذين يُزعم، وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان، أن قوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية أطلقت النار عليهم. 

وفي الشهر نفسه، أفرجت الحكومة الانتقالية عن مئات الضباط من جيش الأسد من سجونها، إذ يُقال إن صقر لعب دور الوسيط الرئيسي في تلك الإفراجات، وينظر إليه بشكل متزايد كشخصية تعمل على تهدئة التوتر، وممثل لمصالح الطائفة العلوية في مرحلة ما بعد الأسد، غير أن ظهوره العلني ودوره أثارا سخطًا واسعًا.

وتحاول الحكومة الانتقالية ذات التوجه الإسلامي احتواء هذه الانتقادات من خلال تصوير أشخاص مثل صقر على أنهم "عوامل استقرار" أو "جهات فاعلة في السلام"، مهمتهم منع المزيد من إراقة الدماء. وبذلك، فإنها لا تجعل السير الذاتية للجناة معيارًا للاستبعاد، بل موردًا سياسيًا، ويبدو أن القاعدة السائدة في المرحلة الانتقالية هي: من لديه علاقات وخبرة في جهاز الأمن يمكن إشراكه، بغض النظر عمّا يمثله أو الجرائم التي يُتهم بارتكابها.

لا قطيعة مع نظام الأسد: شبكات قديمة، سلطة جديدة

يمثل حمشو وصقر نموذجين يتجاوزان نطاق الحالات الفردية، إذ تدمج الحكومة الانتقالية أجزاءً من الهياكل القديمة للسلطة والاقتصاد والأمن في نظام حكمها الخاص، بدلًا من إحداث قطيعة واضحة مع نظام الأسد، وهذا يقوّض رواية "التحرير" و"البداية الجديدة".

ويتوقع العديد من السوريين إجراءات شفافة، وتحقيقات مستقلة، وملاحقة قضائية صارمة، ويشمل ذلك أيضًا الكشف عن جميع الاتفاقيات والشبكات الاقتصادية، حتى لا يُبنى مستقبل سوريا مرة أخرى على الإفلات من العقاب ومبادئ اقتصاد الحرب.

لكن من يطالب بهذا الكشف يجب أن يتوقع، على ما يبدو، التعرض للقمع، مثل حسان عقاد، الناشط والمخرج السوري، الذي أطلق من دمشق حملة "هاتو الفلوس اللي عليكو"، ووجه بها كلامه إلى أولئك الذين وعدوا في حفلات جمع التبرعات بمبالغ كبيرة لإعادة الإعمار، لكنهم لم يدفعوها بعد. وفي الوقت نفسه، انتقد إعادة تأهيل النخبة القديمة الموالية للأسد، مثل محمد حمشو.

 احتُجز عقاد، في يونيو/حزيران، لعدة أيام من قبل "وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية"، ورغم أن نظام هيئة تحرير الشام يدعي أن سبب الاحتجاز هو البلاغات القضائية ضد عقاد، إلا أنه من الواضح أن انتقاداته العلنية كانت السبب الحقيقي وراء لذلك. وبالتالي، فإن هذا الاعتقال لا يستهدف عقاد وحده، بل قد يطال كل من يطالب بعدالة انتقالية شفافة.

وتؤدي جهود الحكومة لترسيخ سلطتها إلى توتر بالغ في النظام السوري الجديد؛ فمن جهة، يستمد النظام شرعيته الأخلاقية والسياسية من جرائم الأسد، ومن جهة أخرى، يرفض محاسبة قانونية شاملة للماضي، وهذا يكرس نظام حكم يتحدث عن "التحرير" بينما يواصل تطبيق ممارسات النظام القديم.

 

ترجمه من الألمانية: محمد مجدي

قنطرة ©