صاحب أشهر لوحة من فلسطين
حين غاب سليمان منصور عن الحياة قبل بضعة أيام، كأنما غاب معه جزء من ذاكرة الطفولة، فقد كانت لوحته الشهيرة "جمل المحامل" من أول اللوحات التي رأيناها في طفولتنا في المخيم، وستكون، دون أن ندرك آنذاك، وعينا الفنيّ الأول.
أتذكر أنّها كانت مُعلّقة في زاوية غرفة الضيوف في بيت جدي بمخيم رفح فوق حوض الأسماك الكبير، مثلما زيّنت معظم جدران منازل الفلسطينيين في المخيمات والمدن الفلسطينية خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات. لم يعرف وقتها أحد كيف ملأت نسختها المطبوعة "بوستر" البيوت في تلك الفترة، لكنها أصبحت تميمة يضعها الفلسطيني في صدر منزله، وكبرت أجيال وهي تراها حاضرة على الجدران، حتى جاء رحيل صاحبها اليوم، فاستعاد كثيرون على حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي صورة تلك اللوحة وهي تحدّق في أيام طفولتهم.
تبدو اللوحة للوهلة الأولى تعبيرية مع خطوط أسمال الرجل العتّال، وانحناءة جسده تحت ثقل ما يحمله، وعروقه النافرة، ولكن بمجرد أنْ تنظر إلى ما يحمله تعرف أنّك ودّعت المدرسة التعبيرية إلى المدرسة السريالية؛ لما يشبه ساعات سلفادور دالي الذائبة.
هي الواقعية السحرية تجسّدت في لوحة أبدية، حاملة رمزية الاحتلال والهوية معًا، فكما يقول منصور في واحدة من لقاءاته: "مستحيل الفنان يعيش في وضع مثل وضع فلسطين تحت احتلال وما يكون فنان سياسي..."، مضيفًا في مقابلة حديثة: "الصراع هو على الهوية، بدأت شغلي بالبحث عن الهوية، والآن ينتهي عمري وأنا لا زلت أبحث عن الهوية".
ويبدو أن اللوحة اشتهرت آنذاك أكثر من صاحبها، حتى غطّت على بقية أعماله طوال خمسة عقود، كرّس خلالها منصور ريشته لتجسيد مزيد من هموم الإنسان الفلسطيني، في أعمال ولوحات متنوعة.
وكان الفنان، الذي توفي يوم الإثنين 24 أغسطس/آب الجاري عن عمر ناهز 79 عامًا، قد رسم النسخة الأصلية الأولى من اللوحة عام 1973، ثم أعاد رسمها في نسخة أصلية ثانية عام 1976، قبل أن يرسم نسختها الأخيرة عام 2005. وأوضح منصور أن النسخة الأخيرة اختلفت قليلًا عن سابقاتها؛ إذ رسمها بحجم أكبر، وغيّر نوع الحبل الذي يربط به الحمولة من حبل مُبروم إلى ما يشبه شريطًا من القماش، كما أضاف كنيسة صغيرة.
ورحل سليمان منصور في مستشفى بالقدس الشرقية، وشيّع جثمانه الأربعاء 26 أغسطس/آب الجاري من الكنيسة الإنجيلية الأسقفية في مدينة بيرزيت حيث ولد أيضًا عام 1947.
وقد درس الفنون والتصميم في أكاديمية بيتسلئيل للفنون بالقدس، وتخرج منها في العام 1970، وكان عضو مؤسس في رابطة الفنانين الفلسطينيين. وشارك في تأليف كتب عن الملابس الشعبية الفلسطينية والتطريز، وحصل خلال مسيرته على عدد من الجوائز، بينها الجائزة الأولى في معرض الربيع الأول في فلسطين عام 1985.
وتوالت بعد ذلك الجوائز التي زيّنت مسيرته الفنية، ومن أبرزها جائزة اليونسكو-الشارقة للثقافة العربية لعام 2019، وجائزة النيل للمبدعين العرب للعام 2025، وفي عام 2016، قلّد رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، منصور، بـ "وسام الثقافة والعلوم والفنون 'مستوى التألق'" تقديرًا لمساهماته الإبداعية في إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية.
رمزية الاسم
كشف منصور، في لقاء عام 2021 مع مدونة خزائن، أنّ من أطلق على اللوحة اسم "جمل المحامل" هو الأديب الفلسطيني إميل حبيبي، خلال وجوده في مكتب للنشر في شارع صلاح الدين بمدينة القدس؛ رغب أصحابها في تحويل اللوحة إلى ملصق، بعد عرضها للمرة الأولى في جمعية الشبان المسيحية عام 1975. وأثناء النقاش حول العنوان المناسب للوحة، اقترح حبيبي، الذي كان هناك بالصدفة، الاسم، ووافق عليه الجميع.
ويأتي الاسم من المثل الشعبيّ "جمل المحامل"، وهي عبارة تطلق على الشخص الصبور الذي يتحمل الأعباء الثقيلة، والصعاب، والمسؤوليات الكبيرة دون أن يتذمر أو ينهار.
وفي شرح لمحتوى اللوحة؛ يقول منصور في اللقاء ذاته إن فكرة "العتّال" استلهمها من مشهد كان مألوفًا في القدس خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل انتشار الجرارات الصغيرة لنقل البضائع داخل البلدة القديمة. فقد كان العتّال يتولى هذه المهمة، حاملاً على ظهره أحمالًا ضخمة، ويسير بها بثقة وتأنٍّ في الأزقة، مضيفًا أن ما لفت انتباهه كان قوة هؤلاء الرجال وقدرتهم على تحمّل أوزان تفوق أحجام أجسادهم، رغم ما بدا عليهم من ضعف بالبنية.
فلسطيني تخترق يده زجاج سجنه ليلمس جبين طفله
أكثر من 100 صفحة من الرسوم الكاريكاتيرية السياسية، في كتاب محمد سباعنة، معتمِدة على تجربة هذا الفنان الحياتية، تقدم نسخة معقدة -وسُريالية في أحيان كثيرة- لنضالات يومية، يضطر إلى خوضها سكان غزة والضفة الغربية. الناقدة الأدبية مارسيا لينكس كويلي تحلل لموقع قنطرة بعض رسومه الكاريكاتيرية. وفيها: رقصة دبكة، ووجوه إسرائيلية وفلسطينية جمجمية، وجدار يفصل أحياء فلسطينية عن أخرى إسرائيلية وأيضا فلسطينية.
وقد حاول رسم شخصية العتّال، فأنجز عدة تجارب وضع خلالها على ظهره أحمالًا كبيرة، مثل الثلاجة والخزانة، إلا أنه نتج عنها لوحة عادية.
وهكذا ظلّت فكرة العتّال تراوده، بحثًا عن معالجة أكثر تميزًا للموضوع حتى وجدها، "لمعت في رأسي بعد تفكير عميق، فكرة أن يحمل القدس. وضعتُ المدينة في البداية داخل دائرة، ولكنها بدت كما لو أنّها قد تتدحرج في أيّة لحظة، ما اضطرني إلى إضافة شكل مخروطي لكلا الطرفين لتعطي الحمل شيئًا من الثبات؛ وكانت النتيجة ما يشبه العين وبداخلها معالم مدينة القدس يتوسطها قبة الصخرة".
وحول سرّ انتشارها في الفترة التي تلت ذلك؛ يضيف بأنّها طُبعت وانتشرت من خلال الحزب الشيوعي الإسرائيلي في كافة المدن الفلسطينية، وفي غالبية البيوت في المدن والقرى والمخيمات.
وقد اختفت اللوحة من بيت جدي، ولا أدري إن كان هذا في اجتياح رفح عام 2003 حينما جُرّف جزئيًا أو في حرب 2014 حينما دُمر كليًا، وكثيرون مثلي لا يعرفون كيف فُقدت من جدران بيوت الطفولة، غير أنها لا تزال تعيش في الذاكرة. والآن، أصبحت رفقة مُبدعها في واقعية سيرالية أخرى.
© قنطرة