ما تبقى لنا من صور
يقال إنّ الصورة تحفظ اللحظة إلى الأبد، لكن ماذا إنْ ضاعت الصورة وأخذت معها اللحظة والأبد؟
هذا ما حدث حين دمّرت الحروب على قطاع غزة مئات آلاف المنازل خلال عقد واحد. ضاعت صور العائلات الشخصية ومعها ملايين اللحظات والحيوات والذكريات. ذابت الألبومات التي حفظت وجوه الأحبّة وتاريخهم لعقود، ثم تلاشت مع أدخنة القصف.
عاد زوج أختي إلى منزله في جباليا بعد نهاية الحرب الأخيرة في أكتوبر/تشرين أول 2025، ليجد بعض الصور الشخصية ملقاة بين الأنقاض بينما احترقت البقية. فقد قُصفت بنايتهم 3 مرات، وحينما قُصفت بالكامل، ذهب يتحسس متعلقات حياةٍ سابقة، عاشها مع شقيقتي وابنتهما قبل أنْ تغادران إلى مصر، إلّا أنّه لم يتبق شيء.
كثيرون شعروا أنّ البقاء على أرضهم وفي مدينتهم قد يحمي بيوتهم ومتعلقات أحبائهم، ولكن لم يستطع أحد حتى حماية أطفاله. لقد ذهبت الصور والمباني وتغيرت غالبية معالم جغرافيا القطاع، فلم تعد تتعرف إلى عنوانك، حتى العلامات التي بقيت تميزه خلال الحروب السابقة، كشجرة، أو عمود كهرباء، اختفت جميعها.
أرض يباب جرداء ممتدة، محظوظ إذا وجدت ذكرى هنا أو هناك، لذلك حين وجد زوج شقيقتي بضع صور فوق الركام لم يصدق عينيه، وصَوّرها كي تبقى إلكترونية إذا ما احترقت من جديد.
خبرتُ ضياع الصور مرارًا في حياتي؛ ففي طفولتي بالإمارات احتفظنا بأربعة ألبومات لعائلتنا الصغيرة والممتدة في رفح جنوب قطاع غزة، تضم صورًا تعود إلى فترة الستينيات حين بُني منزل جدي بعد سنوات من العيش في الخيام عقب تهجير 1948. فقدنا أحد الألبومات عند انتقالنا إلى منزل جديد داخل الإمارات، وبقيتُ أستعيد صوره طويلًا في ذاكرتي. وعندما عدنا إلى غزة عام 1997أحضرنا ما تبقى، ثم اقتسمنا أنا وإخوتي التسعة بضع صور. إنّه الإرث الذي تقاسمناه، ولم نعرف وقتها أنّه سيكون إرثنا الوحيد، فالبقية احترقت خلال الحرب الأخيرة في منزل العائلة بمخيم رفح.
أحيانًا أتذكر صورًا في تلك الألبومات بشكل عشوائي، لكنها لا تأتي بوضوح الألبوم الأول الذي ضاع. أتذكر حفلات الزفاف في المخيم، والولائم في ساحة منزلنا هناك، وجدي واقفًا على باب البيت بنظارته الشمسية، وجدتي بثوبها الفلسطيني تبتسم، يحيط بها الأحفاد، والشاي، و"القرشلة".
المؤلم: ستكون دومًا هناك صور وأشياء فقدناها لن أتذكرها أبدًا، فقد ضاعت من الوجود وذاكرتي.
صور غزة وأهلها
لقد ناضل الغزّي للحفاظ على صوره الشخصيّة خلال هذه الحرب وما سبقها، بوصفها الذكرى الأخيرة لوجوه الأحبّة، بل حتى الصور الجماعية تحمل هذه القيمة، مثل تلك التي التقطها المصور الأرمني كيغام جغليان، مؤسّس أول استوديو تصوير تجاري "فوتو كيغام" عام 1944 في مدينة غزة، حيث وثّق المشهدين الاجتماعي والسياسي في القطاع، وجمع بين تصوير البورتريه داخل الاستوديو وتوثيق الأحداث والمناسبات خارجه.
تتجلى سيرة كيغام بتفاصيلها في فيلم "غزة جراف" 2019 للمخرج يوسف نتيل، وأثره على الصورة وتطورها في قطاع غزة، وحفاظه على أرشيف صور أهل القطاع حتى اللحظات الأخيرة من حياته.
تولّى تلميذه موريس ترزي من بعده إدارة الاستوديو وحراسة أرشيفه، وأطلق عليه اسم "استوديو موريس"، وظلّ يعمل فيه بالطريقة التقليدية حتى وفاته. ثم أصبح شقيقه مروان ترزي حارس الأرشيف، وواصل المهنة إلى أن قُتل مع شقيقته وزوجته وحفيدته وآخرين في بداية الحرب الأخيرة، عندما قصف الجيش الإسرائيلي كنيسة القديس برفيريوس.
يقول ابنه سامي ترزي إنّه أنقذ جزءًا كبيرًا من الأرشيف من بيتهم المدمر، فقد أراد أن ينجو بما حرسه والده طوال عقود، وبالفعل استطاع حماية أغلبه وليس كله، "بقي جزء تحت الهدم، ولم أستطع أن استخرجه، واضطررت بعدها مغادرة القطاع".
ترك كيغام أثره على كثيرٍ من الشباب، وسرعان ما امتهنوا التصوير، من بينهم المصور محمد حسونة، الذي التقيته في منزله بمدينة غزة خلال مهمة صحافية عام 2013، حيث عرض أرشيف صوره لغزة في السبعينيات والثمانينيات على بكرات قديمة، تُظهر الناس في الشوارع والمقاهي ومناسباتهم العائلية. استشهد حسونة لاحقًا متأثرًا بجراحه أصيب بها من قصف مجاور في الحرب الأخيرة، وأصبح الأرشيف وقود نار الطبخ لأهل المنطقة.
صور يتذكرها آخرون
كما تُركت ألبومات صور عائلة كريم أبو ضاحي وراءه، عندما فرّ المحامي البالغ من العمر 40 عامًا من مدينة غزة إلى رفح، قبل أن يسافر إلى مصر مع تهديد اجتياح رفح في مايو/أيار 2024. يروي لي أنّه عندما بدأ الإخلاء من غزة جهّز مع زوجته حقائب لهما ولطفليهما، ووضعا الأوراق الرسمية وبعض الملابس، لكنهما اكتشفا لاحقًا أنّهما نسيا جميع ألبومات الصور، ومنها ألبوم زفافهما وصور قديمة لجديّه الراحلين، التي لم تكن لها نسخ إلكترونية، ولم يبقَ منها سوى في الذاكرة، "بدأت أتذكّر كل صورة؛ من أيام المخيم، وصورة فوزي بكأس كرة القدم في الثانوية، وصور التقطناها في استوديو التصوير الوحيد في رفح"، مضيفًا: "لكل صورة قصة، أما الآن فقد اختفى كل شيء، وكأنّ هذا التاريخ لم يكن".
أما بالنسبة للشاعرة فداء زياد، المقيمة في قطاع غزة، فإن الصور والألبومات تمثّل أرشيفًا وامتدادًا للوجود الفلسطيني ودليلًا عليه، فهي لا تحفظ الوجوه فقط، بل الحكايات المرتبطة بها. وتشعر أنّها خذلت تاريخ عائلتها حين نسيت مجبرة الألبومات أثناء محاولة النجاة من النزوح والقصف، وكادت صورة خطوبة والديها الشهيرة تضيع لولا أن احتفظت أختها بنسخة منها.
تتذكر ضاحكة الجلسات العائلية حين كانوا يطلبون الألبومات، فيلتفّ الجميع حولها يعلّقون على صور خالهم في شبابه، وأخيهم في الغربة، وأول فستان صوف حاكته أمهم للأطفال، ويقرأون العبارات والتواريخ المكتوبة خلف الصور. وتؤكد أنّ الصور دليل على زمن الحرية والفرح، وعلى رحلات الأهل إلى حيفا ويافا، وعلى أفراح العائلة، وهي أيضًا دليل وجودهم بعد الدمار، وشاهد على عائلات مُحيت من السجل المدني، ولعلّ أجيالًا قادمة تعثر على الصور تحت الأنقاض، دليل أنّهم عاشوا يومًا على هذه الأرض.
قنطرة ©