خطاب إردوغاني قومي بجذور إسلامية
أظهر إعلان متلفز ذو ميزانية لا محدودة لإحياء الذكرى المئوية لمعركة جاليبولي خلال الحرب العالمية الأولى صورة قوية للرئيس التركي ومؤسسته العسكرية في آن واحد. فالإعلان، في صورة فيلم قصير، يظهر جنوداً مؤمنين يصلون ويقاتلون ضد الغزاة الغربيين، ومن ثم الرئيس إردوغان وهو يصلي في مقبرة عسكرية والمطر ينهمر عليه. هذا الإعلان عالي الجودة أعيد بثه مراراً في جميع شبكات التلفزة التركية وتحمل نفقاته صندوق النقد الجديد المخصص للرئاسة.
فعاليات إحياء ذكرى معركة جاليبولي يُنظر إليها كتحول جذري في السياسة بتركيا. أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة بيلغي بإسطنبول، أيهان أكتان، يصف ذلك بقوله: "في كل هاتف محمول، هناك خيار للعودة إلى إعدادات المصنع. وإعدادات المصنع في تركيا هي القومية ... في الماضي، كانت عندنا القومية الكمالية، والآن يكرر طيب إردوغان نفس الخطاب ولكن بجذور إسلامية".
لقد اتسمت السيرة السياسية للرئيس إردوغان بصراعه المرير على السيادة مع جنرالات الجيش، الذين كانوا يتمتعون بنفوذ مطلق. في ذلك الوقت، كان الجيش التركي - الذي يرى في نفسه حارساً للدولة العلمانية - ينظر إلى جذور إردوغان الإسلامية بشك كبير يقترب من العداء المعلن.
من عدو إلى صديق
وفي فبراير من العام 1997، في ما وُصف بـ"انقلاب ما بعد العصرنة"، أجبر الجنرالات معلم إردوغان السياسي ورئيس الوزراء آنذاك، نجم الدين أربكان، على الاستقالة. وفي الحملة التي أعقبتها، تمت تنحية إردوغان نفسه من منصبه كعمدة لمدينة إسطنبول وأودع السجن عام 1999 بتهمة التحريض على الفتنة، وذلك لترديده قصيدة أثناء تجمع سياسي. ولكن الصعود الصاروخي لإردوغان من السجن إلى منصب رئيس الوزراء، ومن بعدها إلى الرئاسة، شهد نجاحه في إخراج الجيش بشكل نهائي من اللعبة السياسية، بل وسجن المئات من الجنرالات والضباط بتهم تتعلق بالتخطيط للقيام بانقلاب.
لكن في مارس من العام الحالي 2015، اعترف إردوغان بذنبه بطريقة دراماتيكية، وذلك أثناء خطاب ألقاه أمام خريجي الكلية العسكرية وقادتهم، إذا أعلن قائلا: "بدءاً بي وبالبلاد بأكملها، لقد تم تضليلنا وتعرضنا للخداع"، في إشارة إلى المحاكمات الجارية بتهم التخطيط لانقلاب. وبعد شهر من هذا الاعتذار، أسقطت المحاكم تهم التخطيط لانقلاب وأمرت بالإفراج عن جميع المتهمين. ومن السخرية أن الوحيد الباقي في السجن حالياً هو الصحفي محمد بارانسو، وهو أول من كشف مخطط الانقلاب على حكومة إردوغان.
من جهته، يعتبر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سليمان شاه بإسطنبول، جنكيز أكتار، هذه الحركة بأنها شكل من أشكال اليأس السياسي، قائلاً: "لقد أحرق (إردوغان) كل جسوره الأخرى، ولذا فإن عليه إيجاد بعض الحلفاء. لكنني لاأعرف ما إذا صدّق الجيش ما قاله لهم أم لا ... لقد تخلى عن كل الآخرين، وتخلى الآخرون عنه".
من صديق إلى عدو
هذا ويشير محرر أسبوعية "أغوس" التركية الأرمنية، يتفارت دنزيكيان، إلى أن "إردوغان يتحالف مع الجيش. لقد اختار الجيش لأنه يحارب جماعة (فتح الله) كولن التي تتمتع بنفوذ كبير في الدولة التركية. أما بالنسبة للجيش، فإن عدوه الأول هي جماعة كولن".
فتح الله كولن داعية إسلامي يعيش في منفى اختياري بالولايات المتحدة. وتعتبر شبكة أتباعه، الذي يعمل كثير منهم في أجهزة الدولة التركية، من أقوى المنظمات الدينية في تركيا. لذلك، فإن إردوغان وكولن يوصفان بأنهما أقوى رجلين في البلاد. لقد كان الرجلان في السابق حليفين مقربين بعضهما من بعض، ولكنهما اختلفا في ما بينهما وأصبحا عدوين لدودين. والآن تسعى تركيا لاستصدار أمر بتسليمها كولن لمحاكمته بتهمة السعي لقلب نظام الحكم في البلاد.
كان الرئيس قد وصف في ديسمبر من العام 2013 تحقيقات الشرطة بشأن اتهامات بالفساد على نطاق واسع بحق أفراد عائلة مرتبطين بإردوغان وعدد من الوزراء في حكومته بأنها محاولة انقلاب من أتباع كولن، ما أدى في نهاية الأمر إلى وقف التحقيق وطرد أو إبعاد الآلاف من ضباط الشرطة والقضاة والمدعين.
كما استمرت عملية تطهير النظام القضائي والشرطة ممن يشتبه في انتمائهم لجماعة كولن بشكل متسارع، وشهدت هذه العملية تعميق التحالف بين إردوغان والقوى القومية المحافظة داخل الدولة. وفي الانتخابات التي جرت هذا العام 2015 للمجلس الأعلى للقضاء، تضافرت جهود القوميين الأتراك المؤيدين للعلمانية مع أنصار حزب العدالة والتنمية لهزيمة قائمة مؤيدة لجماعة كولن.
الانتخابات العامة المقبلة 2015
لكن السؤال الأهم المطروح في تركيا حالياً هو مدى كون تقرّب إردوغان من القاعدة القومية العريضة مسألة مؤقتة أم دائمة. حول ذلك يقول سنان أولغن، الباحث الزائر في معهد كارنيغي ببروكسل: "خلال انتخابات المجلس الأعلى للقضاء، كان هذا التحالف نابعاً من إملاءات تكتيكية بهدف تكوين معسكر قوي بما فيه الكفاية لاستئصال نفوذ جماعة كولن. لا أقرأ تغيراً هيكلياً في سياسات إردوغان".
لكن هذا التغير الجديد قد يتعلق أكثر بعودة الرئيس إلى جذوره الأيديولوجية، بحسب ما ترى أستاذة العلوم السياسية، البروفسورة نوراي ميرت، من جامعة إسطنبول: "لم يتطرق أحد بشكل مفصل إلى خلفيات السياسة اليمينية لإردوغان وحزب العدالة والتنمية عندما وصلوا إلى سدة الحكم. لقد كان الحديث دائماً عن الأسلمة ... إردوغان ينحدر من تلك التقاليد السياسية اليمينية".
أحد الامتحانات الهامة لطبيعة التغير السياسي الجديد للرئيس التركي هي جهود السلام المستمرة لإنهاء صراع دام عقوداً طويلة مع حزب العمال الكردستاني. لقد بادر إردوغان بهذه الخطوة، التي تعتبر أفضل فرصة لتحقيق السلام. وهناك حالياً اتفاق لوقف إطلاق النار يسري منذ عام. لكن الصحفي دنزيكيان يعبر عن قلقه من أن "إردوغان أقرب بكثير إلى فكر الجيش السلطوي العلماني والدولة القمعية ... بإمكاني أن أرى الأوضاع تتغير، وهذا يؤثر دائماً على الأقليات وعلى الأكراد".
هذا ويبدو الرئيس حالياً في حالة برود واضح تجاه عملية السلام منذ شهور، لاسيما في ظل انتقاداته المتنامية للقيادة السياسية الكردية وحتى للخطوات التي اتخذتها حكومته في هذا الصدد، ما دفع السياسي المعروف ونائب رئيس الوزراء، بولنت أرينج، إلى الرد على إردوغان ومطالبته بعدم التدخل.
ويزعم البعض أن هذا الحلف الجديد لن يتعدَّ مرحلة الانتخابات العامة في يونيو/ حزيران 2015، إذ يقول أولغن: "لا أرى أي تهديد لعملية السلام ... الأمر يتعلق بسياسة الانتخابات، والرئيس يسعى لحشد أصوات القوميين". إذاً، هل هذه توليفة جديدة بين أعداء الماضي أم أنها حلف تكتيكي لخوض رمال السياسة التركية المتحركة باستمرار؟ على أية حال، فإن الكثيرين يخشون على مصير الحقوق والحريات، إذ تحذر أستاذة العلوم السياسية ميرت: "هذا النقاش لن يأتي إلا بالمزيد من السلطوية. نحن نعيش حالياً أزمة سلطوية عميقة".
دوريان جونز
ترجمة: ياسر أبو معيلق