رواية "الفجوات".. واقع ألماني في قرية متخيلة

شيدا بازيار, جائزة الكتاب الألمانية. (Photo: picture alliance/dpa/Kessler-Sportfotografie | Jürgen Kessler)
شيدا بازيار, الفائزة بجائزة الكتاب الألمانية. (Photo: picture alliance/dpa/Kessler-Sportfotografie | J. Kessler)

شيدا بازيار تقتنص جائزة الكتاب الألمانية 2026 عن روايتها "الفجوات"، التي تستعيد قرابة قرن من التاريخ الألماني في قرية تخفي ماضيها النازي، وتتقاطع فيها حكايات عائلات إيرانية مهاجرة.

تدور أحداث رواية "الفجوات" الجديدة للكاتبة شيدا بازيار، في قرية متخيلة تتجاور فيها حكايات عائلات يهودية صودرت ممتلكاتها، مع قصص مستفيدين من النازية أعادوا تقديم أنفسهم بعد الحرب كأبرياء، وعائلات إيرانية هاجرت بحثًا عن حياة جديدة في ألمانيا.

وفازت الرواية، الصادرة الشهر الماضي عن دار "كييهناهوير وفيتش"، بجائزة الكتاب الألمانية لعام 2026، إحدى أبرز الجوائز الأدبية في ألمانيا، وتُمنح تقليديًا في اليوم السابق لافتتاح معرض فرانكفورت للكتاب. 

وأقيم حفل توزيع الجوائز في القاعة الإمبراطورية في مبنى "رومر" التاريخي بمدينة فرانكفورت في 5 أكتوبر/تشرين الأول الجاري. ويبلغ مجموع الجوائز 37,500 يورو، تحصل شيدا بازيار منها على 25 ألف يورو، فيما ينال كل من المؤلفين الآخرين في القائمة القصيرة 2500 يورو.

ووصفت لجنة تحكيم الجائزة، في بيانها، العمل بأنه "رواية ضد اللامبالاة"، مشيدة بالاستراتيجيات الأدبية التي وظفتها بازيار، لا سيما "وجهة نظر الراوي الميت والبنية الفسيفسائية للنص"، اللتان أتاحتا للرواية "الانتقال بين فترات زمنية مختلفة، مع خلق حالة من الحميمية والمسافة في آن واحد".

ويشرح الكاتب غيريت فوستمان في قراءة للرواية نُشرت بالألمانية عبر قنطرة، أن بازيار حوّلت عالم القرية المصغّر إلى بانوراما تاريخية لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا، وصعود النازية وسيطرتها على جمهورية فايمر، مرورًا بتأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1949، وصولًا إلى العقد الثاني من الألفية. وتتبع مسارات حياة ثلاث فئات لمجتمع تشكّل على مدى تسعة عقود، لم يكن كثير منهم مستعدًا لمواجهة خطاياهم بعد الحرب.

هذه هي الرواية الثالثة للكاتبة شيدا بازيار، المولودة في ألمانيا عام 1988 لعائلة إيرانية مهاجرة، وابتعدت فيها هذه المرة عن المدن الكبرى - طهران وبرلين، كما يشرح فوستمان. إذ جرت روايتها الأولى "الليل هادئ في طهران" (Nachts ist es leise in Tehran) الصادرة عام 2016، في العاصمة الإيرانية، وتطرقت إلى تداعيات الثورة عام 1979، وصدمة المنفى التي تمتد عبر الأجيال. أما روايتها الثانية "ثلاث رفيقات" (Drei Kameradinnen) الصادرة عام 2021، فتدور أحداثها في برلين، وتتتبع حياة ثلاث شابات ينحدرن من ظروف معيشية صعبة، وتناولت قضايا العنصرية اليومية وجرائم منظمة "الاشتراكيون الوطنيون تحت الأرض" (NSU) الإرهابية.

أما في روايتها الجديدة، فتأخذنا بازيار إلى قرية هادئة تدعى "هايمسباخ"، حيث تحاول العائلتان الإيرانيتان شريف وكريمبور، في فترتي الثمانينيات والتسعينيات، إيجاد منزل جديد بعد فرارهما من النظام الإيراني إلى ألمانيا. وبينما لا ترغب عائلة في فقدان أمل العودة إلى إيران يومًا ما، تحاول الأخرى بناء حياة جديدة لنفسها في ألمانيا من أجل أطفالها.

هدوء مظلم

وتحيط أجواء الطبيعة والريف والهدوء بالقرية، حيث يعرف السكان بعضهم بعضًا، غير أن صمتًا محرجًا يخيّم على كل سؤال يتعلق بالماضي، فالحياة الهادئة ليست سوى واجهة تخفي خلفها قصصًا مظلمة. ويتوقف فوستمان عند إحدى جمل بازيار في الرواية، التي تلّخص المشهد: "ما قيل يظلّ عائمًا في الفضاء، ويمكن التقاطه من الهواء وإعادته إلى الفم"، وهي مجرد واحدة من الجمل العديدة الجديرة بالاقتباس من الرواية، كما يؤكد.   

وبينما فقدت بعض الشخصيات في الرواية وطنها بالفعل، يصنع آخرون لأنفسهم، من الحكايات والأكاذيب والصمت، وطنًا لم يكن موجودًا قط. من بينهم، مسنون ودودون ترعاهم بطلة الرواية الممرضة "بارفانيه"، ويبدون قدرًا من الحنان عند استقبال أطفال الوافدين الجدد، رغم احتفالهم في مساء 20 أبريل/ نيسان، بعيد ميلاد "هتلر" داخل دار الرعاية.

وهناك آخرون يريدون نسيان ما حدث قدر الإمكان، خاصة مسؤوليتهم وغضّهم الطرف عن أفعال النازيين، حين تحولت هايمسباخ إلى ما عُرف بـ"القرية النموذجية" وفق التصور النازي؛ أول قرية تُصبح رسميًا "خالية من اليهود".

Cover des Buchs "Die Lücken" (Cover: Kiepenheuer&Witsch)
(Bookcover: Kiepenheuer&Witsch)

تبدو هايمسباخ الخيالية، مستوحاة من هيرميسكايل، البلدة التي نشأت فيها الكاتبة. وتوضح بازيار في خاتمة الرواية أن اللجوء إلى الخيال منحها حرية في السرد. غير أن النموذج الواقعي للقرية يظلّ جليًا، فقد بحثت الكاتبة مطولاً في تاريخ هيرميسكايل، وتحدثت إلى شهود عايشوا تلك الحقبة، كما منحت أحدهم صوتًا في الفصل الأخير من الرواية ليروي تجربته. ويشرح فوستمان في قراءته أن هذا أدى إلى تلاشي الحدود بين هيرميسكايل الواقعية وهايمسباخ المتخيلة، وتداخل الأدب مع الواقع.

ويجد فوستمان في الرواية امتدادًا منطقيًا لروايتي بازيار السابقتين، لكنها تُقدّم رؤية جديدةً في بنيتها وأسلوبها الفني. ويذهب بعيدًا إلى حدِّ الإيمان أن الكاتبة حققت هنا مستوى رفيعًا في فنّ سرد القصص، وعملًا أدبيًا لن يفقد شيئًا من أهميته حتى بعد مرور مئة عام. 

© قنطرة