اتهامات تلاحق صُنّاعه بدعم الأفروسنتريك وتزييف التاريخ
يُختطف طفل أسمر من دولة أفريقية لا يُذكر اسمها تحديدًا، ويُنتزع من حياة عائلية سعيدة قبل أن يُنقل كعبد إلى مصر، ويُسمى "أسد" لأنه "مشاكس"، على حد وصف من باعوه، وبعد سنوات ينال نصيبًا من اسمه، فيتحول من رقم بين عبيد كثيرين إلى قائد يلهمهم للتحرر.
هذه باختصار أحداث فيلم أسد الذي تدور وقائعه في مصر خلال القرن التاسع عشر، حين كانت العبودية لا تزال منتشرة على نطاق واسع في البلاد، وقد أثار الفيلم الذي كتبه الإخوة دياب (خالد وشيرين ومحمد دياب) وأخرجه الأخير، بطولة الممثل المصري محمد رمضان، موجة من الجدل حتى قبل عرضه في دور السينما.
ليس غريبًا أن يثير الفيلم، حساسيات في مصر، بداية من موضوعه الرئيسي: "الحرية"، ففي مناخ سياسي منغلق، وأجواء يسودها التوتر بفعل الظروف الإقليمية، يرى البعض أيّ حديث عن الحرية في غير وقته، حتى لو من باب استدعاء الماضي، فعلى سبيل المثال سخر الباحث في الإسلام السياسي ماهر فرغلي، في فيديو له عقب مشاهدته الفيلم: "زوجتي سألتني بعد انتهائه، هو عايزنا (الفيلم) نعمل ثورة يعني؟".
جدل "الأفروسنتريك"
غير أن جدلًا أخر طغى على مسألة الحرية، إذ اُتهم الفيلم بدعم سردية "الأفروسنتريك"، أو المركزية الإفريقية، وهي حركة فكرية ظهرت في أواخر القرن العشرين، لمواجهة العنصرية ضد السود، وكان من أبرز المنتقدين لهذا التوجّه كبيرُ الأثريين بوزارة الثقافة، مجدي شاكر، الذي قال خلال مداخلة في أحد البرامج التلفزيونية إن اختيار الشكل البصري وبعض الرموز المرتبطة بالقصة يفتح الباب أمام تفسيرات تربط الفيلم بموجة الاهتمام العالمية بأفكار الأفروسنتريك، حتى وإن جاء ذلك على حساب الهوية التاريخية للمنطقة العربية.
وتدور فلسفة "الأفروسنتريك" حول إعادة قراءة التاريخ والثقافة من منظور يجعل الإنسان الإفريقي محور التحليل، وتخرجه من دور العبد أو المُسيطر عليه، إلى دور صانع الحضارات. وفي هذا الإطار، يرى أبرز منظّري الحركة، في مقدمتهم الأمريكي موليفي أسانتي، أن الحضارة الفرعونية قامت على أكتاف الأفارقة السود.
وأشعلت ادعاءات "الأفروسنتريك" جدلًا مستمرًا في مصر خلال السنوات الأخيرة حول الهوية الثقافية للبلد العربي، وسط تساؤلات حول من له الحق في ادعاء إرث مصر القديمة. وفي حالة فيلم "أسد" الذي يؤدي بطولته الممثل المصري، محمد رمضان، كان مجرد ظهور عبد أسود على ملصق الفيلم الدعائي كافيًا لإثارة مخاوف من أن الفيلم يروج لأفكار المركزية الإفريقية".
وربما غذت هذه المخاوف سوابق فنية، أبرزها فيلم "الملكة كليوباترا" الوثائقي الذي عرضته منصة نتفليكس عام 2023، وأثار جدلاً واسعًا آنذاك، بعد تقديمه الملكة الشهيرة، التي حكمت مصر من 51 إلى 30 قبل الميلاد، على أنها سمراء البشرة.
كيميت تدخل على الخط
تدور أحداث فيلم أسد في القرن التاسع عشر، أي بعد قرون عديدة من العصر الفرعوني، الذي تتمركز عنده ادعاءات الإفروسنترك، وربما هذا يُفسر عدم توقع صناع الفيلم أن يواجهوا مثل هذا الاتهام.
ورفض مؤلف ومخرج الفيلم، محمد دياب، في بوست على فيسبوك الشهر الماضي تلك الاتهامات، وقال: "إفروسنتريك تعنى الادعاء بأن المصريين حاليًا غزاة، وأن الحضارة المصرية أصلها إفريقي بناها الأفارقة، وهذا هراء بالطبع".
وأضاف: "كل من يشاهد الفيلم يعلم أن المشهد الأول يُظهر عبيدًا اختطفهم قراصنة إنجليز في إفريقيا ثم بيعوا لاحقًا في مصر. وبالتالي فإن عبيد الفيلم ليسوا من أصل مصري، وهذا وحده يدحض هذا الاتهام الباطل"، قبل أن يؤكد أن صُناع الفيلم وطنيون مصريون.
كما غذّى الجدل حول الفيلم تيار "كيميت" المتصاعد- وهي كلمة تُطلق على مصر باللغة المصرية القديمة-، وهو حركة قومية تنظر إلى مصر في سياق ماضيها الفرعوني، معتبرة أنها تعرّضت لغزو عربي، وأنها لن تستعيد هويتها الحقيقية إلا بالعودة إلى جذورها القديمة.
ومن جهة أخرى، انضم إليهم مؤيدون للحكومة يتبنون نزعة قومية شديدة في انتقادهم لفيلم "أسد"، وقد تساءل مدير إحدى مجموعات "الكمايتة" على فيسبوك مثلًا: "لماذا لا يتبنى الفيلم بهذا الإنتاج الضخم فكرة وطنية بدلًا من فكرة من شأنها إثارة اللغط؟".
تزييف التاريخ؟
لا تتوقف حساسيات "أسد" عند الأفروسنتريك، بل أتُهم بتزييف التاريخ، إذ يرى بعض منتقديه أن الفيلم نقل "ثورة الزنج" التي وقعت في العراق بالقرن التاسع الميلادي خلال الحكم العباسي إلى مصر في القرن التاسع عشر بعهد سعيد باشا، رغم أن مصر لم تشهد انتفاضة مماثلة.
ورد دياب على هذا الاتهام في مقابلة صحفية، قائلًا إن الفيلم "مستوحى من أحداث حقيقية" فقط، وهذا يمنح المؤلفين حرية المزج بين الحقيقة والخيال بما يخدم الحبكة الدرامية.
وتتفق الناقدة الفنية علياء طلعت، في حديث مع قنطرة، على أنه من حق المبدع توظيف التاريخ بما يخدم فنه، طالما لم يدعِ أنه يقدم عملًا تاريخيًا دقيقًا، لكنها انتقدت في الوقت نفسه، ذكر الفيلم صراحةً عام 1840 كزمن للأحداث، والقاهرة كمكان وقوعها، ما وضع صُنّاعه في مرمى نيران كان يمكن تفاديها، بعدم ذكر إطار زمني مُحدّد.
لكن الأحداث الرئيسية في الفيلم لا تبدأ إلا لاحقًا عندما يصبح أسد شابًا، يتوسط الكادر السينمائي وهو يجري أمام عربة أسياده البدائية (كارتة)، حتى يفسح لها الطريق، وبدا حال أسد أفضل من غيره، إذ يتولى الإشراف على العبيد الجدد المحبوسين في أقفاص، ويوزع عليهم الطعام، والماء، ويرق لحال صغير من بينهم لا يأكل، فيفتح قفصه ويحاول إطعامه.
أثارت تلك المشاهد انتقادات في مصر، إذ وصفها الكاتب والمؤرخ المستقل عصام فوزي، الذي يمتلك أرشيفًا ضخمًا من الصحف والمجلات والوثائق القديمة، بأنها "تزييف للتاريخ لصالح قصة فيلم مستنسخة من أعمال إبداعية كثيرة".
وقال لقنطرة إن "العبيد في مصر لم يُعاملوا بهذه الطريقة المهينة، ومعظمهم لم يكونوا من السود"، مضيفًا: "جرى استقدام غالبيتهم لأغراض عسكرية، ومنهم نشأت طبقة المماليك، التي حكمت مصر لسنوات (...)، ولم يحدث أن وقع أيّ ثورة أو إضراب من العبيد السود".
ويرى فوزي، فارقًا بين حرية المبدع في الاستعانة بالتاريخ لتقديم حكاية إبداعية وبين اختلاق وقائع تاريخية غير موجودة، مستشهدًا بأعمال الأديب نجيب محفوظ الذي "كان يلتزم بالأحداث التاريخية في أعماله، مثل أوضاع الاحتلال في ثلاثيته، والفتوات، ومواجهتهم للإنجليز، بينما كانت الشخصيات خيالية مستوحاة أيضًا من الواقع".
أما الناقدة علياء طلعت، ترى أن أسد فيلم "متوسط المستوى لا يستحق كل هذه الضجة حوله، ويعاني من مشاكل كثيرة في السيناريو والتمثيل رغم تقديمه صورة هوليوودية".
© قنطرة