استعجال العدالة لا يُنصف الضحايا
تعالت صيحات الاحتفال في سوريا عقب صدور الحكم على عاطف نجيب، بعد خمسة عشر عامًا من دوره في حملة القمع التي استهدفت احتجاجات درعا عام 2011، وأشعلت شرارتها الأولى فتيل الثورة السورية. فقد خضع الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، للاستجواب والمساءلة على مدى أسابيع، فيما حضر ناجون وذوو ضحايا لمتابعة محاكمته التي حظيت باهتمام واسع. وفي 11 أغسطس/آب، أُدين نجيب بارتكاب سلسلة من الجرائم، وصدر ضده حكم بالإعدام شنقًا.
بيد أن الأمر الذي لم يكن متوقعًا هو أن تصدر المحكمة ذاتها أحكامًا إضافية ضد اثنين من أبناء عمومته هما: الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر الأسد، وقضت بالحكم الغيابي بإعدامهما.
وفي خضم موجة عارمة من الفرح عمت أرجاء سوريا، لم يجد البعض، وأنا منهم، في هذا الحدث المفاجئ ما يحقق العدالة. ليس لمجرد معارضتنا لعقوبة الإعدام؛ فمن يدرك جيدًا حجم الدمار الذي ألحقه الأسد بسوريا قد يتفهم صعوبة أن يتجاوز المجتمع السوري هذه المرحلة دون معاقبته بقدر فداحة جرائمه.
فالجرائم التي ارتكبها بشار الأسد كانت شديدة الوحشية وعلى نطاق واسع، مما أدى إلى تدمير حياة ثلثي الشعب السوري. وهذا لا يشمل سوى أولئك الذين فقدوا منازلهم جراء القصف والتهجير القسري والحملات العسكرية الموثقة جيدًا التي شنتها قوات الأسد وحلفاؤها المحليون والأجانب ضد مئات التجمعات السكانية.
فعلى مدار أربعة عشر عامًا من الحرب، تعرض السوريون للاعتقال والتعذيب والقتل الجماعي والقصف والهجمات بالغازات السامة والحرق، فضلاً عن تجريدهم من ممتلكاتهم وتهجيرهم إلى شتى أنحاء العالم. وتشير التقديرات الواقعية إلى مقتل ما يصل إلى مليون شخص، وإصابة أعداد أكبر بكثير بجروح أو إعاقات دائمة.
كذلك عانى نحو عشرة ملايين سوري من مرارة اللجوء أو النزوح داخل البلاد، وهناك نحو 200 ألف سوري تعرضوا للإخفاء القسري من قبل النظام ولا زالوا مفقودين حتى الآن، بينما يعيش حوالي 90% من الشعب تحت خط الفقر. لهذه الأسباب بالتحديد شعر الكثير من السوريين بأن حكم الإعدام حتى وإن صدر لم يكن كافيًا بحق بشار الأسد، لا سيما وأنه قد لا يُسلَّم إلى العدالة من ملاذه الآمن في موسكو.
سجل مقتضب لآلة حرب وحشية
لا نعلم كيف خلصت المحكمة إلى هذا الحكم؛ فالسوريون لم يُخطروا بأن الأسد يخضع للمحاكمة. لكننا نُدرك يقينًا أن حكمًا يُصدر بهذه السرعة لا يتناسب مع حجم المعاناة الجماعية للسوريين. لقد كان لزامًا على تلك المحكمة السورية أن تعرض بتفاصيل دقيقة تواريخ الجرائم وأعدادها، والأسلحة المستخدمة وأساليب التنكيل، والمواقع والأفعال المرتكبة، فضلًا عن الأسماء والقصص الإنسانية الكامنة وراءها.
كانت هذه المناسبة فرصةً لتوثيق وتأريخ مرحلة من تاريخ سوريا امتد أثرها إلى ما وراء الحدود؛ مرحلةٍ أحدثت قطيعةً واضحةً مع الماضي، وشكّلت نقطة انطلاق لإعادة بناء المجتمع والبلاد، ومحطةً للتطهير النفسي، وتمهيدًا لمسار الحقيقة والمصالحة الذي لا يزال بعيد المنال. لقد مثّلت المحاكمة فرصةً لتأكيد ضرورة معاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، أيّاً كانوا، وإثبات أن العقاب سيطالهم حتمًا في المستقبل.
لكن على خلاف محاكمة نجيب، فإن المثول المفترض لبشار الأسد أمام القضاء لم يتبع أي إجراءات قانونية سليمة؛ إذ لم تُسرد الجرائم المحددة بتنوعها المروع، ولم تُسمع شهادات الشهود، ولم يُلتفت إلى الضحايا. لقد استند الحكم إلى تهم "القتل العمد والقتل القصد لأكثر من شخص ولأطفال دون سن الخامسة عشر عامًا"، و"التعذيب، والتعذيب المفضى إلى الموت، وجناية الحرمان من الحرية لمرات متعددة بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب"؛ وهو تلخيص مقتضب ومجحف لا يعكس حجم آلة الحرب الوحشية ولا الصدمة الجماعية السورية المستشرية.
قد تبدو مهمة إخضاع شخصية مثل الأسد لمحاكمة شاملة أمرًا مستحيلًا، إلا أنه كان ينبغي منح الناجين منبرًا للشهادة يتلون من خلاله مر به أحباؤهم، ولو من باب تسليط الضوء على نموذج مصغر للمأساة السورية.
لا عدالة، لا انتقالية ولا غيرها
كان من الممكن أن تتضمن محاكمة الأسد شهادة أرملة غياث مطر، وهو أحد قادة الحراك الشبابي السلمي في داريا؛ ذلك الحراك الذي بادر فيه النشطاء بتقديم زجاجات المياه والزهور لقوات النظام المكلّفة بقمعهم، وقد أُلقي بجثمان مطر، الذي كان يحمل آثار تعذيب، أمام منزله بعد أربعة أيام من اعتقاله عام 2011.
كما كان بإمكان المحكمة الاستماع إلى عائلة باسل شحادة، صانع الأفلام الشاب الذي تخلى عن منحة "فولبرايت" لنيل درجة الماجستير في الولايات المتحدة وعاد إلى سوريا لتعليم الثوار الشباب كيفية تصوير وتوثيق الانتفاضة وقمعها؛ قُتل شحادة برصاص قناص تابع للنظام عام 2012، أو سماع شهادة عائلة عمر عزيز، الذي توفي في أحد سجون دمشق عام 2013؛ نظرًا لقيادته عملية تأسيس "لجان التنسيق المحلية" التي انتشرت في أنحاء البلاد، وساعدت السوريين على بناء هياكل مجتمع مدني ذاتية الإدارة حافظت على روابطهم ووفرت لهم سبل البقاء.
كان ينبغي تخصيص وقت للاستماع إلى شهادات الناجين من مجزرة الغوطة الكيميائية، التي وثّقها بإسهاب المدافعون المرموقون عن حقوق الإنسان المعروفون بـ"أربعة دوما" والمفقودون منذ عام 2013، والناجين من عمليات القتل الجماعي كتلك التي وقعت في البيضا أو الحولة، وضحايا البراميل المتفجرة التي دمرت المستشفيات والمدارس والأسواق، والمعتقلين السابقين الذين قاسوا عذابًا شديدًا، وذوي عشرات الآلاف ممن قُتلوا تحت التعذيب.
ما كان لأيٍّ من هذا أن يحدث دون محاكمة حقيقية، وهي محاكمة كان يمكن إجراؤها حتى في ظل غياب المتهم. ولا تكمن المشكلة في غياب الأسد فحسب، بل في غياب الإجراءات القانونية السليمة وغياب الضحايا تمامًا؛ إذ كان من الممكن إصدار هذا الحكم بعد يوم واحد من فرار الأسد من سوريا، أو عند تعيين أحمد الشرع رئيسًا للبلاد. وعليه، لا يوجد أي شعور بإنهاء الملف بالنسبة للشعب السوري، ولا توجد عدالة، سواء كانت انتقالية أو غير ذلك.
الاستفادة من تجربة يوغوسلافيا وكمبوديا
ليست سوريا وحدها التي عانت من جرائم بهذا الحجم على يد مجرمين من هذا النوع، وكان عليها طلب المساعدة. ففي حالة الأسد، كان ينبغي تشكيل محكمة خاصة على غرار المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في لاهاي، أو محكمة هجينة تضم قضاة محليين وآخرين أجانب من ذوي الخبرة، مثل "الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا" التي حاكمت كبار قادة الخمير الحمر؛ إذ أن قضايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تفوق قدرات القضاة الذين يفتقرون إلى الخبرة الكافية في مثل هذه القضايا، كما أنها تتجاوز نطاق القوانين الجنائية المحدودة التي لا تتناول هذه الجرائم.
لذا فإن غياب مثل تلك الإجراءات المنهجية وصدور الحكم على عجل لا يقدّمان أي حلٍّ فعلي، غير أن السلطات تبدو راضيةً عن طي هذه الصفحة، ملمّحةً إلى أن العدالة ستتحقق حين يجرى الاتفاق على التسليم وتُنَفَّذ العقوبة. فهل ينبغي تفسير ذلك على أنه محاولة لتجاوز ملف مساءلة مسؤولي حقبة الأسد والمقربين منهم -وهو ملف شائك- على نحوٍ سريع؟
في هذا الصدد، لم تقدم الحكومة سوى القليل من المعلومات أو المبررات التي تفسر سبب استحقاق بعض الجرائم وحدها للعقاب، أو سبب اعتقال بعض المجرمين بينما يظل آخرون طلقاء؛ فمن حق السوريين الحصول على تفسيرات. فالمظاهر الرمزية للعدالة لا تُمهِّد الطريقَ لسيادة قانونٍ تستوعبُ دروسَ الماضي، كما أنَّ 54 عامًا من "الحكم الأسدي" لا يمكن ببساطةٍ طيُّ صفحتها وأرشفتُها.
لقد أثبت لنا التاريخ مرارًا وتكرارًا أنه لا سلام بلا عدالة، ولا عدالة بلا مساءلة. ورغم أن الأسد يستحق ملايين الأحكام القضائية، حكمًا عن كل ضحية، إلا أن الأهم بالنسبة للشعب السوري هو خوض تجربة المحاكمات المنظمة التي من شأنها أن تمنح شعورًا بالعدالة والمضي قدمًا.
ترجمه من الإنجليزية: سارة عرفة
قنطرة ©