سياسات الشرع تضرّ بالأغلبية وتخدم الأقلية

يقف رجل عند مكتبه ينظر إلى هاتفه. في المقدمة، كومة من أوراق نقدية من فئة 2000 ليرة سورية تحمل صورة بشار الأسد.
هل يمكن أن تؤدي تخفيضات دعم الكهرباء إلى موجة تضخم أخرى؟ في الصورة: مكتب صرافة في دمشق، أكتوبر/ تشرين الأول 2025.(Photo: picture alliance / ZUMAPRESS.com | J. Carlos)

تسعى الحكومة السورية إلى تحقيق النمو الاقتصادي من خلال التحرير الاقتصادي، والاستثمار الأجنبي، وخفض الإنفاق الحكومي؛ هذه الخطوات تُفيد النخبة الجديدة، لكنها لن تُخرج الأغلبية من الأزمة.

تقرير: جوزيف ضاهر

عام على سقوط نظام بشار الأسد، ولا تزال عملية إضفاء الشرعية الدولية على الحكومة الجديدة في دمشق مستمرة، وتُمثل الزيارة الأخيرة للرئيس المؤقت أحمد الشرع إلى البيت الأبيض ولقاؤه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إلى جانب الرفع التدريجي للعقوبات الأمريكية والدولية، تحولاً كبيرًا.

كان هدف الشرع هو ترسيخ التحالف الجيوسياسي الجديد للبلاد مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، المملكة العربية السعودية وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة، بما في ذلك اتخاذ خطوات نحو تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وخدم هذا التوجه جهود الشرع لترسيخ حكمه، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية الضرورية ومساعدات إعادة الإعمار الدولية.

ويبقى الطريق نحو التعافي الاقتصادي محفوفًا بالتحديات؛ إذ تُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بما يتراوح بين 140 و345 مليار دولار أمريكي، مع تقدير مركزي يبلغ 215.6 مليار دولار أمريكي، وفقًا للبنك الدولي، كما يحتاج حوالي 16.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية.

ومع ذلك، فإن السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الحكومة السورية المؤقتة لا توفر الركائز اللازمة لإعادة إعمار سوريا وتحقيق انتعاش اقتصادي مستدام، ففي سعيها لجذب الاستثمار الأجنبي، تبنت الحكومة نموذجًا نيوليبراليًا للتحرير الاقتصادي، وتقشفًا حادًا، وانكماشًا في القطاع العام، وقد رافقت هذه الإجراءات سياسات وقرارات تعزز تركز السلطة الاقتصادية في أيدي النخبة الحاكمة الجديدة، بينما لا تزال الغالبية العظمى من السوريين تعيش في فقر مدقع.

تعزيز الاستثمار وتقليص دور الدولة

أكدت الحكومة السورية الجديدة مرارًا وتكرارًا خططها لاقتصاد السوق الحر، حيث سيقود القطاع الخاص عملية إعادة إعمار البلاد، بينما يتقلص دور الدولة في توفير الخدمات الاجتماعية وقيادة النمو، وترتكز هذه الاستراتيجية على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتوسيع التجارة، وخصخصة البنية التحتية الحكومية.

كان الهدف الاقتصادي الرئيسي للنخب الحاكمة الجديدة هو فتح الاقتصاد أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لا سيما من الدول الغربية ودول الخليج وتركيا، وحتى الآن، تركزت غالبية هذه الاستثمارات على السياحة والعقارات والخدمات المالية، الذي يعطي الأولوية للأرباح قصيرة الأجل على حساب القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة.

وأبرمت دمشق العديد من الاتفاقيات الاقتصادية ومذكرات التفاهم مع شركات أجنبية، ما جذب استثمارات بلغت حوالي 28 مليار دولار بين يناير/ كانون ثاني ويوليو/ تموز 2025، معظمها من شركات خليجية، ومع ذلك، لا يزال العديد من هذه المشاريع مجرد إعلانات ليس لها وجود على أرض الواقع بعد.

في غضون ذلك، واصل المسؤولون السوريون التلميح إلى خطط لتقليص دور الدولة، وفي منتصف أكتوبر/تشرين الأول، صرّح وزير المالية محمد ياسر برنية بأن "هدفنا أن يكون لدينا قطاع عام أصغر، بميزانية أصغر" وحتى الآن، شمل ذلك تسريح موظفي الدولة وخفض أو إلغاء الدعم على المنتجات والخدمات الأساسية.

نظام ضريبي غير عادل

يعكس النظام الضريبي الجديد في سوريا، الذي أُعلن عنه في منتصف يوليو/تموز والمقرر دخوله حيز التنفيذ مطلع عام 2026، أولوية السلطات الجديدة للاستثمارات القادمة من الشركات الأجنبية الكبرى والمستثمرين ذوي الملاءة المالية العالية، ويُدخل هذا الإصلاح هيكلاً ضريبيًا موحدًا من شأنه أن يُقلل من القدرة المالية للدولة، إذ سيتم تطبيق معدلات ضريبة الشركات الثابتة على جميع الشركات، بغض النظر عن حجمها، مما يضعف قدرة الحكومة على توسيع قاعدة إيراداتها.

يتكون أكثر من 95% من القطاع الخاص في سوريا من شركات صغيرة ومتوسطة الحجم، ومعظمها بحاجة إلى دعم لتحديث أعمالها، والحصول على التمويل، وخفض تكاليف الإنتاج، ولن يُساعد نظام الضريبة الموحدة للشركات على مواجهة هذه التحديات الهيكلية، بل إنه غير عادل في جوهره، إذ لا ينبغي فرض ضريبة على شركة كبيرة تُحقق أرباحًا طائلة بنفس المعدل المُطبق على الشركات العائلية الصغيرة ذات الإيرادات المتواضعة.

وتعتمد الحكومة حاليًا على رأس المال الأجنبي والمساعدات ورجال الأعمال المحليين لدفع عملية إعادة الإعمار والتعافي، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو مبادرات جمع التبرعات مثل "صندوق التنمية السوري"، غير أنه من الضروري تبنّي نظام ضريبي أكثر عدالة وتدرّجًا، يساهم في إعادة توزيع الثروة وتقليل الفجوات الاجتماعية-الاقتصادية وتعزيز الإصلاحات الاجتماعية، كما يجب على الحكومة الجديدة وضع سياسات تحمي المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتمنحها عوامل القوة للاستمرار والنمو.

 

ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل متسارع

تُفاقم إجراءات التقشف من فقر السكان، وقد أثار قرار خفض دعم الكهرباء بشكل كبير، في أكتوبر/تشرين الأول، انتقادات حادة من قطاعات واسعة من المجتمع، بل وأدى إلى احتجاجات في عدة مدن، ووفقًا لبيانات موقع "سوريا ريبورت"، قد ترتفع تكاليف الكهرباء من 30 إلى 60 ضعفًا لكل أسرة.

كما يُجادل الصنّاع والمزارعون بأن ارتفاع أسعار الكهرباء سيرفع تكاليف الإنتاج ويزيد العبء على الإنتاج المحلي، الذي أضعفته بالفعل سياسات التحرير السريع للتجارة، تلك التي تنتهجها الحكومة منذ بداية العام، وقد تفاقم الميزان التجاري السلبي للبلاد، حيث أصبحت الواردات السورية أعلى من الصادرات بما يتراوح بين سبعة وعشرة أضعاف.

وسيؤدي ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع معدل التضخم، مما سيزيد من تكلفة المعيشة على سكان سوريا، ورغم أن السلطات رفعت رواتب ومعاشات القطاع العام بنسبة 200% في يوليو/تموز، إلا أن غالبية السكان، سواءً كانوا يعملون في الدولة أو في القطاع الخاص، لا يزالون غير قادرين على تغطية احتياجاتهم الشهرية برواتبهم وأجورهم حتى بعد الزيادات.

ووفق تقديرات صحيفة قاسيون في نهاية سبتمبر/أيلول 2025، بلغ الحد الأدنى لتكلفة المعيشة لأسرة سورية مكونة من خمسة أفراد في دمشق حوالي 7.1 مليون ليرة سورية (حوالي 645 دولارًا أمريكيًا) شهريًا، وتعتمد شرائح كبيرة من المجتمع على تحويلات الأقارب في الخارج، التي تُقدر بأكثر من 4 مليارات دولار سنويًا.

لذا، فإن إعلان وزير المالية في نوفمبر عن زيادة رواتب العاملين في قطاعي الصحة والتعليم بنسبة 200% غير كافٍ، إذ لا تتجاوز الزيادة في الأجور معدل ارتفاع الأسعار.

نخب جديدة، أنماط قديمة

اتخذت القيادة الجديدة سلسلة من الإجراءات التي تُركّز السلطة الاقتصادية في أيديها، وأفادت وكالة رويترز في يوليو/تموز بأن حازم الشرع، شقيق الرئيس السوري المؤقت، يُعيد، بالتعاون مع لجنة مُختارة، تشكيل الاقتصاد السوري من خلال عمليات استحواذ سرية على شركات كانت مملوكة سابقًا لرجال أعمال مرتبطين بالنظام السابق، ووفقًا لتحقيق رويترز، فقد سيطرت اللجنة بالفعل على أصول تزيد قيمتها عن 1.6 مليار دولار أمريكي.

وتتمثل المهمة الرئيسية لحازم الشرع في إدارة العلاقات مع رجال الأعمال المحليين، واستقطاب رجال أعمال سوريين آخرين يقيمون خارج البلاد للاستثمار، والإشراف على الاستثمارات وصناديق التنمية التي أنشأها الشرع، كما عُيّن ماهر الشرع، وهو شقيق آخر للرئيس، أمينًا عامًا لرئاسة الجمهورية، ليكون حلقة وصل بين الرئاسة وهيئات الدولة.

في غضون ذلك، تضاعفت وتيرة منح عقود حكومية لشركات خاصة مرتبطة بشخصيات تابعة لهيئة تحرير الشام، بالإضافة إلى دمج الشركات الخاصة في مؤسسات الدولة، مما أدى إلى طمس الخط الفاصل بين القطاعين الخاص والعام. 

كما أثار إنشاء مؤسسات اقتصادية جديدة، مثل صندوق الثروة السيادية وصندوق التنمية، مخاوف بشأن تنامي مركزية السلطة في يد الشرع وعائلته.

وبدلًا من أن تواجه الحكومة المؤقتة مظاهر تركّز الثروة والتفاوت الاجتماعي-الاقتصادي، جاءت سياساتها لتعزّز هذه الاختلالات وتعمّقها، كما استمر الفساد وغياب الشفافية بأساليب تشبه حقبة النظام السابق، لكن بصيغة جديدة تخدم النخب الحاكمة الحالية.

ترجمته من الإنجليزية: سارة عرفة

قنطرة ©