كيف يحمل المسرح ذاكرة السوريين إلى العالم؟
أنيس حمدون هو فنان لا يمكن وضعه في خانة واحدة، فهو مخرج وكاتب مسرحي سوري-ألماني وناشط ثقافي ومدرس لغة عبر الدراما. وُلد في حمص (1985) في كنف عائلة تُعدُّ أحد أعمدة المسرح السوري: والدته الممثلة سعاد بلبل، وجده هو المؤسس فرحان بلبل، وخاله الممثل نوار بلبل.
هذه البيئة جعلت المسرح مشيئته بالتوازي مع المشي، وعلّمه جده أساسيات الحرفة من الإلقاء إلى الإخراج. مسيرته شهدت منعطفين دراميين: الأول هو الثورة السوريّة، حيث فقد عينه اليسرى في قصف بحي الخالديّة عام 2012، قبل أن يغادر سوريا. والثاني هو وصوله إلى ألمانيا كلاجئ، حيث بنى اسمه من الصفر.
ومن هذا الإرث المسرحي الممتد من حمص إلى ألمانيا، تشكلت تجربة أنيس حمدون بين الذاكرة والمنفى والبحث عن لغة فنية تتجاوز الحدود. في هذا الحوار، يتحدث حمدون عن بداياته، وتجربته المسرحية، وعلاقته بالهوية، ورؤيته لواقع الفن السوري ومستقبله.
كيف شكلت طفولتك في كنف عائلة فنية في حمص هويتك الفنية؟ وكيف انتقلت هذه التأثيرات معك إلى المشهد المسرحي في ألمانيا؟
المسرح كان هواءً أتنفسه. ولدت في بيت المسرح، حرفيًا. أمي كانت في البروفات وأنا في بطنها. جدي، فرحان بلبل، كان عمود المسرح السوريّ، وخالي نوا، على الخشبة، لم أعرف عالمًا آخر. ذاكرتي الأولى: روائح خشبة المسرح وضجيج البروفات وضحك الممثلين خلف الكواليس. كنت أذهب مع أمي كل مساء. بالنسبة لي، كانت الحياة طبيعية: مدرسة بالصباح، مسرح بالمساء. كنت أستمع وأنا طفل لنصوص معقدة، أحاول فك شفراتها. تعلمت القراءة من النصوص المسرحيّة قبل الكتب المدرسيّة.
جدي كان معلمي الأول، لم يعطني دروسًا نظريّة، وغرس فيّ الحرفة. علمني أن المسرح عمل جماعي، مثل النجارة أو البناء ولكل عنصر له مكان. علمني الإلقاء: كيف تضع الكلمة في فم الممثل وكيف تجعلها تصل للصف الأخير. كنت أتابعه وهو يصمم الديكور ويعدل الإضاءة ويصلح جهاز صوت. المسرح كان حيًا، يتنفس، ويحتاج عناية يومية. هذا ما تعلمته: الفن ليس إلهامًا فقط، هو تعب وصبر.
عندما بلغت الخامسة عشرة، دخلت عليه في مكتبه بعد بروفة. قلت له: "أريد أن أصبح مخرجاً مثلك". لم يبتسم، أشار إلى مكتبته وقال: "هناك تبدأ". كانت مكتبة ضخمة، مسرح عالمي وفلسفة وتاريخ وشعر، بدأت من هناك. في الثامنة عشرة، واجهت خيارًا: البقاء معه في حمص أم الذهاب لدراسة المسرح أكاديميًا. قال لي نصيحته: "ابقَ هنا، ادرس الكيمياء في الجامعة، واستمر في التعلم معي. الكيمياء ستُعلمك التفكير المنطقي، وأنا سأعلمك المسرح". اخترت البقاء. درست الكيمياء نهارًا، وعملت معه ليلًا. تعلمت منه كيف تُخرج نصًا وكيف تتعامل مع الممثلين وكيف تبني عرضًا من الفكرة حتى الافتتاح.
هذا الإرث هو ما حملته معي إلى ألمانيا. عندما وصلت كلاجئ، لم يكن لدي سوى هذه الحرفة. كنت أعرف كيف أبني عرضًا من لا شيء، لأنني رأيت جدي يفعل ذلك. في ألمانيا، بدأت من الصفر. في فرقة مسرح صغيرة، قدمت أول إخراج لي: "دوريان غراي". لم يعرفوا من هو فرحان بلبل، ولا أهمية عائلتي في حمص. كان ذلك تحررًا ووحدة في آن. تحرر من ثقل الاسم، ووحدة لأنه لم يعد هناك من يحميك.
كيف تؤثر خلفيتك العلمية (دراسة الكيمياء) على منهجك الفني في تحليل النصوص الاجتماعية والسياسية؟
الناس تعتقد أن العلم والفن نقيضان وهذا خطأ، كلاهما بحث عن الحقيقة. الكيمياء علم التفكيك والتركيب، تتعلم كيف تفتت المركب إلى عناصره الأوليّة، ثم تعيد بناءه. هذا بالضبط ما أفعله مع النصوص الاجتماعيّة. آخذ قضية معقدة مثل الثورة السوريّة أو الهجرة، وأحاول تفكيكها إلى عناصرها: الخوف، الحلم، الخسارة، الذاكرة. ثم أعيد تركيبها كحكاية.
والدي كان مهندسًا ورياضيًا. تربيت على حب المنطق والأنظمة. عندما درست الكيمياء، تعلمت رؤية العالم كسلسلة تفاعلات. كل فعل له رد فعل. هذا يساعدني في بناء الصراع الدرامي. الصراع هو تفاعل كيميائي معقد، فيه محفزات ونتائج.
في مسرحياتي، تجد هذا المنهج. مثلًا في "الرحلة"، لم أقدم قصة خطية عن الحرب، وقدمت تفكيكًا للذاكرة. مشاهد منفصلة كقطع كيميائيّة تتفاعل مع بعضها في ذهن المشاهد، وكما قال جدي: "المسرح الجيد لا يجيب، بل يستفز".
ما هي أهم التحديات التي واجهتها عند الانتقال من المسرح السوري إلى المشهد الألماني؟ وكيف تغلبت عليها؟
التحدي الأول كان اللغة، وصلت وأنا لا أتكلم الألمانيّة، شعرت كالأبكم. المسرح يعتمد على الكلمة، وأنا فقدت أداتي الأساسيّة. لكني اكتشفت أن لغة الجسد عالميّة، بدأت في فرقة ناطقة بالإنكليزية (لغتي الثانية كانت أفضل). قدمت عرضاً، وكانت مفاجأة: الجمهور تفاعل. أدركت حينها أن المشاعر تتجاوز اللغة.
التحدي الثاني كان الثقافة. المسرح الألمانيّ له تقاليد مختلفة، أكثر تنظيماً وأقل عفوية. في البداية، شعرت بأن قيوداً كثيرة تُفرض عليّ. لكني تعلمت أن لكل نظام مميزاته. تعلمت منهم الدقة، والتخطيط طويل الأمد. وفي المقابل، علمتهم شيئاً من العفويّة والمرونة التي جئت بها من المسرح السوريّ.
التحدي الأكبر كان العنصرية، لكن ليس بالمعنى المباشر. عنصرية خفية كالافتراضات المسبقة. عندما تقدم نفسك كمخرج سوريّ، يتوقعون منك عملاً عن الحرب أو اللجوء أو المعاناة. يريدونك أن تلعب دور الضحية، رفضت هذا. نعم، أنا جئت من الحرب، لكنني لست ضحية. أنا فنان له رؤية، عندما قدمت “الرحلة”، كان الموضوع سوريًا، لكن المعالجة فنيّة بحتة. أردت أن أقول: "انظروا إليّ كفنان وليس كلاجئ".
كان عليّ أن أكون أفضل بكثير من زملائي الألمان لأثبت نفسي. هذا غير عادل، لكنه الواقع. عملت بجد مضاعف. تعلمت الألمانية بسرعة، درست تاريخ المسرح الألماني، تعرفت على الفنانين المحليين. باختصار، دخلت عالمهم من أوسع أبوابه.
مسرحية "الرحلة" جمعت بين السيرة الذاتية والجماعية. كيف نجحت في تحويل التجربة الشخصية المؤلمة إلى فن دون أن تتحول إلى خطاب سياسي مباشر؟
السر في الحكاية، دائماً أذكر كلمة جدي: "الحكاية أولًا، عندما بدأت كتابة "الرحلة" لم أفكر: "سأروي معاناة الشعب السوري". فكرت: "سأروي قصة أصدقائي وقصة المدينة التي أحب". كان هدفي أن أُعيد بناء حمص على الخشبة، ليس حمص الدمار، حمص الذاكرة.
استخدمت تقنية التقطيع، لم أقدم خطًا زمنيًا، إنما ذكريات متفرقة، كصور في ألبوم قديم. مشهد من مقهى، مشهد من جامعة، مشهد من شارع. ثم تدخل الحرب كصدمة تكسر هذه الذكريات لكنها لا تمحيها.
التجريد ساعدني لم أسمِّ الشخصيات بأسماء حقيقية، جعلتها رموزًا: "الطالب" "الصديق" "الأم". بهذا تحولت قصتي الشخصية إلى قصة جماعية. كل مُشاهد سوري رأى شيئًا من نفسه فيها.
شغف تحوّل إلى أرشيف لذاكرة السوريين
باع المصوّر السوري، أحمد حسن منزله ليواصل شغفه بالصور التاريخية. نعرض لكم/ن مقتطفات من مجموعته، مشاهد يومية بالأبيض والأسود تعود إلى أكثر من مئة عام، وهي كنز حي من ذاكرة السوريين!
كيف تتعامل مع ازدواجية الهوية السورية الألمانية في أعمالك؟ وما الذي يجعل العمل فنًا "سوريًا" حتى لو أُنتج في ألمانيا؟
لا أرى ازدواجية، أرى تكاملًا. أنا سوري وهذا هو أساسي. تركت سوريا جسديًا، لكنني أحملها في ذاكرتي وفي لهجتي وفي طريقة تفكيري. الألمانيّة هي الإطار الذي أعمل ضمنه الآن، اللغة والجمهور والمؤسسات.
في عملي، أحاول أن أجمع بين الروح السوريّة والشكل الألمانيّ. مثلاً في "الرحلة"، الروح سوريّة بحتة، الحنين والدعابة السوداء والعلاقات الإنسانية المكثفة. لكن الشكل مسرحيّة ألمانيّة، أي إخراج ممنهج ودقة في التفاصيل وتقنيات مسرحيّة حديثة.
ما الذي يجعل العمل "سوريًا"؟
أعتقد أن الهوية ليست في مكان الإنتاج، هي في الروح. لو رسمت لوحة عن حمص في باريس، فهي لوحة سوريّة. لو كتبت قصيدة عن برلين بمنظور سوريّ، فهي قصيدة تحمل هويتي. العمل السوري هو الذي يتنفس أسئلة سورية، الهوية والمنفى والذاكرة والثورة. حتى لو كانت الشخصيات ألمانيّة واللغة ألمانيّة.
كيف يمكن للفن أن يكون أداة لمقاومة التمييز؟
العنصريّة في أوروبا ليست دائمًا صريحة. غالبًا ما تكون غير مرئيّة. مثلًا عندما يبحثون عن ممثل لدور طبيب، نادرًا ما يفكرون بممثل عربي. لماذا؟ لأن الصورة النمطية تقول: العربي إما إرهابي أو لاجئ.
حاربت هذا بعدة طرق. أولًا، برفضي للأدوار النمطيّة. حتى عندما كنت بحاجة للمال، رفضت أدوار "الإرهابي" أو "البائع المتجول"، قلت لنفسي: إذا قبلت هذا فأنا أؤكد الصورة النمطيّة.
ثانياً، من خلال المشاريع الفنيّة. أخرجت عروضًا تتحدى هذه الصور. مثلًا عرض "المدينة المجهولة"، كان عن حياة مهاجرين من خلفيات مختلفة يعيشون في برلين. أظهرتهم كأشخاص عاديين، لهم أحلام ومخاوف مثل أي شخص.
ثالثاً، من خلال التدريس. في ورشاتي أشجع الطلاب من أصول مهاجرة على سرد قصصهم هم، لا القصص التي يتوقعونها منهم.
ما تقييمك لواقع المسرح والسينما السورية اليوم، بعد كل ما مر؟ وما هي أهم التحديات والفرص؟
الواقع معقد، من ناحية، هناك ديناميكية جديدة، شباب يقدمون عروضًا في دمشق وحلب، رغم الصعوبات.
أول تحدي هو البنية التحتية، المسارح دمرت والمعدات قليلة والتمويل شبه معدوم. الفنان يعتمد على حماسه الشخصي، وهذا غير كافٍ.
ثاني تحدي هو الرقابة، رغم أن النظام تغيّر لكن عقليّة الرقابة ما زالت موجودة. الفنان يرقب نفسه، وهذا يقتل الإبداع.
ثالث تحدي هو الانقسام المجتمعي، كيف تقدم مسرحًا يجمع سوريين من خلفيات مختلفة، بعد حرب؟ هذا يحتاج شجاعة فائقة.
لكن هناك فرص أيضًا. الفرصة الأولى هي الجيل الجديد. شباب لم يعيشوا تحت وطأة النظام القديم بنفس القوة، ولديهم جرأة أكبر.
الفرصة الثانية هي الشتات، فنانون سوريون في أوروبا وأمريكا يكتسبون خبرات ويمكنهم مشاركتها مع الداخل.
الفرصة الثالثة هي التكنولوجيا. اليوم يمكنك تصوير فيلم بهاتفك وتوزيعه عبر الإنترنت. هذا يقلل التكاليف ويتجاوز الحدود.
فيلمك "تشيخوف" يتناول التعذيب بشكل سريالي وغير تقليدي. لماذا اخترت هذه المعالجة؟
لأن الواقعية خانتنا. بعد كل ما شاهدنا من صور مروعة على التلفاز، أصبح المشاهد مشلولًا. الصدمة تتكرر فتفقد تأثيرها وأنا أردت لغة فنيّة جديدة تكسر هذه الحلقة.
"تشيخوف" ليس فيلمًا عن التعذيب، هو عن ذكرى التعذيب. كيف يعيش الجسد ذكرى الألم بعد زوال السبب. لذلك اخترت السريالية، أحلام وكوابيس وصور متقطعة. كما في لوحات سلفادور دالي، حيث الأشياء مألوفة لكنها مشوهة.
الشخصية الرئيسيّة ممثل مسرحي. هذا رمز مهم لأن الفنانون كانوا هدفًا للنظام. لكني لم أرد أن أظهره كضحية سلبية، في الفيلم يستخدم خياله كوسيلة للمقاومة. أيضًا، اخترت السرياليّة لأتجاوز الرقابة المتوقعة، لو قدمت الفيلم بشكل واقعي لرفضت معظم المهرجانات العربية عرضه.
ما هو دور الفن في مجتمعات اللجوء والشتات؟
الفن في الشتات له دوران: داخلي وخارجي. الدور الداخلي هو العلاج. كثير من اللاجئين يحملون صدمات والفن وسيلة للتعبير عما لا يمكن قوله بالكلمات. في ورشاتي مع اللاجئين أرى كيف أن المسرح يساعدهم على استعادة كرامتهم. على الخشبة يصبحون أبطال قصصهم لا ضحايا.
أما الدور الخارجي فهو الجسر. الفن وسيلة لنقل تجربة اللجوء للجمهور الألماني، ليس كإحصاءات أو أخبار لكن كتجربة إنسانية. عندما يشاهد ألمانيّ مسرحية عن لاجئ سوريّ، يرى إنسانًا لا رقمًا.
في أعمالي، أحاول أن أتجاوز ثنائية "هنا" و"هناك". أخلق عالمًا ثالثًا هو عالم الذاكرة والخيال. مكان ليس ألمانيا ولا سوريا، إنما هوية مستقلة تحمل عناصر من كليهما.
بعد كل هذه الرحلة، ما هو حلمك الفني الكبير؟ وما الرسالة التي تريد نقلها من خلال فنك؟
حلمي هو مشروع حياة، المساهمة في بناء مسرح سوري جديد حر مستقل. أحلم بمركز فني في سوريا، يجمع فنانين من الداخل والخارج. مكان للتدريب والإبداع والحوار، مختبرًا لتجارب جديدة، حيث يمكن لشاب من درعا أن يلتقي بفنان من برلين.
أحلم بمسرح يكون صوتًا لكل السوريين باختلافاتهم. مسرح لا يخاف من الأسئلة الصعبة عن الحرب وعن المسؤولية وعن المصالحة، أيضًا، أريد أن أقول للشباب السوري: تاريخكم لا يبدأ من الحرب، لكم تراث فني غني، من فرحان بلبل إلى سعد الله ونوس. انطلقوا من هذا الإرث ولكن لا تبقوا أسرى له. اصنعوا فنّكم الخاص، كما فعلت أنا في ألمانيا.
نُشرت هذه المقابلة لأول مرة في موقع "الثورة السورية" بتاريخ 16 يوليو/تموز 2026.
© قنطرة