رحلة في ذاكرة غزة قبل الحرب
تعيدك صفحات كتاب "أرشفة غزة في الحاضر: الذاكرة، الثقافة والمحو" إلى غزة قبل حرب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ تسمع وترى وتلمس وتشمّ القطاع: معارضه الفنية، وأصوات الفنانين، والأبنية والآثار، والأدب والشعر، والجامعات والأفلام. لا تخرج من هذه الجولة إلّا وأنت تحمل في قلبك هوية جمعية ثقافية كاملة لم يعد لها أيّ مكان على الأرض بعد الحرب.
الكتاب، الذي حرّرته كل من دينا مطر وفينيتيا بورتر، يجمع أصواتًا من فلسطين وخارجها لفنانين ومعماريين وصحافيين ومحامين وباحثين، ويكشف قصصًا لا يعرف بعضها حتى الغزيّ نفسه، في تنوّع واسع في أشكال الكتابة وجودتها، وهو ما يميّز الكتاب ويعيبه في آن واحد.
ورغم مساهمة أقلام أجنبية، إلا أنّها أغنته دون استشراق، وبقي العمل، الصادر عن دار الساقي بالإنجليزية بعنوان "Archiving Gaza in the Present: Memory, Culture and Erasure"، شديد المحلية في واقعه وعالميًا في ألمه الإنساني، ما يجعله صالحًا لزمن طويل، ومن عيون الكتب عن غزة.
يُفتتح الكتاب بمقدمة تتعامل مع الأرشفة بوصفها فعل مقاومة ضد محو الذاكرة؛ ويستمر هذا المنظور طوال فصوله، في سرد متسارع يشبه شريطًا سينمائيًا يُعرض على عجل، يُحصي ما تبقّى من معالم القطاع وهو يدّمر.
من الفن التشكيلي إلى الأرشيف: قراءة في الفصول الأولى
يقدّم الفصل الأول مشهدًا ثريًا للفن التشكيلي في غزة بوصفه ممارسة مقاومة، عبر مقالات تجمع بين التحليل والتجربة الشخصية، وتؤطّر الفن الغزّي ضمن سياقه السياسي والاجتماعي، مع التوقف عند أثر الحصار منذ 19 عامًا، وتسليط الضوء على مجموعتي "التقاء" و"شبابيك" كنموذجين للإنتاج الفني الجماعي، ويعزّز حضور الصور والأعمال الفنية كثافة السرد، متتبعًا مسارات الفنانين في الداخل والشتات.
تكمن قوة الفصل في تفكيكه للفكرة السائدة بأن الحروب تخنق الإبداع، إذ يكشف عن مئات التجارب التي استخدمت مختلف الوسائط للتعبير والنجاة، غير أنه يعاني من تكرار الأسماء والموضوعات وتداخل النصوص، وكان يمكن اختصاره في مقال تركيبي واحد أكثر إحكامًا، إذ يتكرر حضور فنانين بعينهم عبر أوراق متعددة، ما يُضعف الإيقاع ويُثقِل السرد بالتأريخ المتشابه، ويؤدي في الوقت نفسه إلى تهميش واضح للفنانات الغزيّات، رغم حضورهنّ ومساهماتهنّ المهمة؛ هذا الغياب يعكس ذكورية المشهد الفني أكثر مما يعكس واقع الإبداع نفسه.
أما الفصل الثاني فإنه يميّز الكتاب بثراء معرفي لافت، إذ يقدّم معلومات وتفاصيل تاريخية عن آثار غزة وتراثها المعماري قلّما تحضر في الكتابات المتداولة، ويتناول اكتشافات أثرية مبكرة، من بينها تمثال ضخم لزيوس عام 1879، إلى جانب توثيق السرقات الإسرائيلية والحفريات غير القانونية منذ عام 1967، وجهود الحماية خلال عهد السلطة الفلسطينية، ويبرز غنى غزة الحضاري وأهمية هذا السرد في تثبيت حقها بتاريخها في مواجهة محاولات الطمس والتزوير.
كما يدرج شهادة لخبير الآثار السويسري مارك أندريه هالديمان يتحدث فيها عن إنقاذ 530 قطعة أثرية ونقلها إلى جنيف عام 2007، وهي القطع التي ستغدو لاحقًا الناجية الوحيدة من متحف غزة الأثريّ الذي دُمّر في الحرب.
ويضيف عمقًا إنسانيًا عبر شهادة خبير الآثار فضل العطل، الذي يروي نجاته مع عائلته خلال الحرب، وفقدان المواقع التي كرّس لها حياته، قبل أن يجد نفسه في المنفى يرعى آثار غزة في جنيف.
فيما يركز الفصل الثالث على المتاحف والمراكز الثقافية والمحفوظات، ويقدّمه العضو المؤسس في مؤسسة "عبد المحسن القطان" عمر القطان بتشخيص واضح للحرب وأثرها على الوجود الفلسطيني ذاته، ويتحدث عن تدمير متحفي القرارة ورفح، ومقتل عشرات الفنانين والعاملين في الحقل الثقافي. ويقدّم الفصل شهادات مؤثرة عن تدمير مكتبات غزة وبيت السقا التاريخي، الذي كان معلمًا ثقافيًا غنيًا حتى دمرته إسرائيل في الحرب.
كما يتناول ذاكرة الصورة عبر أرشيف المصوّر الفلسطيني الأرمني كيغام دجغاليان، الذي وثّق غزة لأربعة عقود، ويواصل حفيده اليوم إنقاذ هذا الأرشيف.
فصل "الذاكرة واللا ملموس"
يُخيّب الفصل الرابع بعض التوقّعات؛ إذ يبدو مرورًا انتقائيًا على الأدب والسينما الغزيّة، رغم وجود مشهد أدبي وسينمائي نشط؛ تشكّل عبر أفراد ومبادرات قاومت الاحتلال والحصار والنمطية والهيمنة الإسلاموية منذ الانقسام الفلسطيني عام 2006، ويكتفي بعرض نصوص أدبية محدودة، وبمشروع سينمائي واحد هو "من المسافة صفر"، الذي يضم 22 فيلمًا قصيرًا صُوّرت داخل القطاع أثناء الحرب بإشراف رشيد مشهراوي.
هذا الاختزال يُغيّب تجارب وأسماء صنعت المشهد قبل الحرب وخسرت حياتها خلالها، من شعراء ومخرجين، ويعكس توجّهًا نحو "كتابة شيء عن كل شيء" بدل التعمّق في حالات دالّة، سببه الحرص على التسجيل والحفظ وخوفًا من الزوال خلال حرب كانت على أشدها وقت تأليفه وإعداده، وهو ضعف واضح في الفصل رغم حساسية الموضوع.
إلا أنه يقدّم مقالات شديدة التميّز في مواضيع أخرى، أبرزها مقال "العقلية الجويّة" للباحثة السنغافورية تشين شين ياب، الذي يعيد كتابة تاريخ الطيران في غزة وفلسطين، من أول مطار عثماني عام 1917، ودور غزة كمحطة مركزية في الطيران الإمبراطوري البريطاني، إلى تأسيس الخطوط الجوية الفلسطينية وتدمير مطار غزة عام 2000، والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على المجال الجوي وتحويل السماء إلى فضاء عسكري.
ويضم هذا الفصل مقالًا آخر حول توثيق محتوى مواقع التواصل الاجتماعي، تشرح فيه المتخصصة في حفظ وفهرسة التراث الثقافي غادة دمشق كيف أعادت الحرب تعريف أساليب توثيق الحروب، وجعلت من وسائل التواصل أداة مركزية للأرشفة الفورية، شملت أيضًا رموز التعاطف العالمي، ما أضفى أبعادًا جديدة على مفهوم الأرشفة الإلكترونية.
القانون والتراث والحياة والمستقبل
يتناول الفصلان الأخيران، "القانون والحياة والتراث" و"التطلع إلى المستقبل"، قضايا طُرحت سابقًا لكن من منظور قانوني ومستقبلي، مع تركيز واضح على المساءلة الدولية.
وتتتبع الباحثة في القانون الدولي جوان أويديران، في فصل "القانون والحياة والتراث"، مسار آثار غزة المنهوبة منذ عام 1967، من بينها 23 تابوتًا و10 أغطية من مقبرة الكنعانيين في دير البلح، وفسيفساء الكنيسة البيزنطيّة المكتشفة جنوب الرمال في مدينة غزة في الستينيات، محذّرة من خطورة سيطرة إسرائيل على القطع الأثرية والرواية التاريخية.
ويدرج الفصل توثيقًا فريدًا من نوعه للحياة اليومية في الحرب من خلال مقال "لن يصدق أحد ما سيقوله الناجون" للباحثة كايتلين بروكتر، وهو سرد لمحادثات خاصة عبر واتساب وتيليغرام مع أصدقاء ومعارف في غزة، ويظهر فيه الهشاشة والحميمية معًا، بوصفهما شهادة حيّة على ما عاشه الناس.
أما الفصل الأخير "التطلع إلى المستقبل"، فيفتتح بمقال للكاتب والأكاديمي عاطف الشاعر عن أغاني وأشعار غزة خلال الحرب، يركّز فيه على الغناء الديني والمقاوم، متجاهلًا إنتاجًا موسيقيًا متنوعًا قدّم تعبيرات إنسانية تتجاوز ثنائية السلاح والهوية، وغفل حقيقة أن الغناء في غزة كان فعل حياة ومتعة أيضًا، وأن الموسيقى لم تكن نقيضًا للثبات أو الوطنية.
هذا الإصرار على التوثيق في الكتاب لا يخفف من وطأة الفقد، بقدر ما يضع القارئ في مواجهته المباشرة، لهذا ينتهي الكتاب بنص شعري لمحمود درويش يعيد قطاع غزة إلى رمزيته كمكان موجع، ومستهدف، وجدير بالحب، ويترك القارئ أمام ذاكرة لا تُستعاد إلا بوصفها فقدًا.
قراءة هذا العمل كانت نوعًا من التعذيب النفسي؛ عودة قاسية إلى غزة ما قبل الحرب، إلى حياة ثقافية وفنية غابت إلى الأبد، وإلى أشخاص ومثقفين وعاديين لن يلتقوا مرة أخرى على تلك الأرض، ويعيد الكتاب تشغيل شريط أيامنا، ولكن بصيغة الماضي فقط، ويترك في القلب سؤالًا واحدًا: كيف يمكن لأرض وتاريخ وذاكرة أن تُمحى في أقل من عامين؟
"أرشفة غزة في الحاضر: الذاكرة، الثقافة والمحو"
حررته دينا مطر وفينيتيا بورتر
دار الساق، 288 صفحة بالإنجليزية
نوفمبر/تشرين الثاني 2025
قنطرة ©