حل لأزمة السجون في لبنان؟

حشد من الأشخاص يظهر في صورة ملتقطة من الأعلى، يحمل بعضهم رايات كُتبت عليها الشهادة الإسلامية.
متظاهرون في بيروت يحتجون على مشروع قانون للعفو العام يقولون إنه يستثني المعتقلين الإسلاميين، 22 مايو/أيار 2026. (Photo: picture alliance / AP Photo | B. Hussein)

يُقبع آلاف السجناء في لبنان داخل سجون مكتظة، فيما ينتظر كثير منهم سنوات من دون محاكمة أو أحكام نهائية. وبينما يناقش البرلمان مشروع قانون للعفو العام، يكشف الواقع داخل سجن رومية، أكبر سجون البلاد، أزمة عدالة تعرقلها الانقسامات السياسية والطائفية.

تقرير: عبد الله النجار

لم يعد سجن رومية، أكبر سجون لبنان، مجرد منشأة إصلاحية متهالكة، بل بات انعكاسًا لواقع العدالة المتداعية في البلاد. فالسجن الذي شُيّد عام 1963 شمال شرق بيروت، يضم اليوم نحو 4000 محتجز، رغم أن سعته الاستيعابية لا تتجاوز 1300، في ظل اكتظاظ مزمن وتأخر المحاكمات وتردي ظروف الاحتجاز. وبينما يتجدد الجدل حول مشروع قانون العفو العام بوصفه مخرجًا لتخفيف الضغط عن السجون، يكشف الواقع داخل رومية حجم الأزمة التي يحاول القانون معالجتها.

يصف أبو يوسف*، هو أحد نزلاء جناح "ب" سيئ السمعة في السجن، هذا الواقع قائلًا: "أصبح تعاطي المخدرات والاعتداء الجنسي أمرًا عاديًا لدرجة أنهما جزءًا من حياتنا اليومية". ويضيف أن السجناء غالبًا ما يتشاركون الإبر، مما يؤدي إلى ظهور خراجات في أجزاء من أجساد متعاطي المخدرات.

تحدث أبو يوسف، الذي رفض الكشف عن سبب سجنه، إلى قنطرة عبر تطبيق "واتساب"، مشترطًا عدم الكشف عن هويته. وعلى الرغم من أن الهواتف المحمولة محظورة في السجون اللبنانية، إلا أن السجناء دأبوا على تهريبها عبر السنوات كوسيلة لإيصال صوتهم للخارج أو ما يصفونه بـ"المقاومة داخل السجن".

يقول: "نريد أن يعرف الناس ما يجري في الداخل، ولكن رغم الواقع المروع الذي نعيشه، لا يبدو أن أحدًا يهتم". وعندما سُئل عما إذا كانت تجربة السجن في رومية دفعته إلى إعادة تقييم حياته، أجاب بحزم: "لا أحد يتوب هنا، نحن نزداد حقدًا فحسب".

Here you can access external content. Click to view.

ويسعى لبنان إلى إقرار قانون للعفو العام لمعالجة الأوضاع المتردية في سجونه، وفي مقدمتها الاكتظاظ، وحال إقراره، قد يخفف القانون العديد من الأحكام بما يصل إلى الثلث، كما قد يستبدل عقوبة الإعدام بالسجن لمدة 28 عامًا، ويخفض عقوبة السجن المؤبد إلى 17 عامًا.

وتنص الصيغة الحالية لمشروع القانون أيضًا على الإفراج عن الأشخاص الذين أمضوا ما لا يقل عن 14 عامًا في السجن من دون صدور حكم بحقهم، في محاولة لمعالجة العدد الكبير من المحتجزين احتياطيًا لفترات طويلة. ويقول رامزي كيس، الباحث في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن أربعة من كل خمسة سجناء في لبنان ما زالوا ينتظرون صدور أحكام في قضاياهم.

مأزق سياسي

إلا أن مشروع قانون العفو العام تحول إلى سجال سياسي وطائفي حاد، كان من أبرز نقاطه الخلاف حول مصير المعتقلين الإسلاميين، إذ وبحسب الصيغة المتداولة، يُستثنى من العفو المتهمون بارتكاب "أعمال إرهابية ضد أفراد مدنيين أو عسكريين أو أمنيين"، وهو ما يعتبره نواب سُنّة وأسر المعتقلين بندًا يستهدف السجناء الإسلاميين على وجه الخصوص.

وكان من المقرر أن يناقش البرلمان اللبناني مشروع القانون ويصوت عليه في منتصف يوليو/تموز، غير أن الجلسة أُرجئت بسبب عدم اكتمال النصاب، في ثاني تأجيل منذ مايو/أيار الماضي.

وقاطع نواب كتلتي "الاعتدال الوطني" و"الوفاق الوطني" الجلسة، معلنين في بيان مشترك "مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية تجاه شعبنا في لبنان وعائلات الإسلاميين المحتجزين"، ورفضهم "قبول الإيذاء المتجدد للمجتمع السني"، كما انسحبت كتل نيابية أخرى من الجلسة.

ولم يقتصر الجدل على أروقة البرلمان، بل امتد إلى داخل سجن رومية نفسه، ففي مايو/أيار، انتشرت مقاطع فيديو تظهر أعمال شغب في المبنى "ب"، الذي وُصف بأنه يضم "أكبر تجمع للجهاديين لكل متر مربع في العالم"، وتزامنت أعمال الشغب مع احتجاجات في بيروت وصيدا والبقاع، عبّر خلالها أقارب السجناء عن رفضهم لما وصفوه بالطابع "المتحيز" لمشروع القانون.

ويُعد قسم "ب"، الذي يظهر كثيرًا في وسائل الإعلام وحتى في دعاية تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، أحد الأقسام الخمسة في سجن رومية، ويضم أعضاءً في جماعات متطرفة سنية، من بينها "فتح الإسلام" و"جبهة النصرة" و"داعش". كما أفاد نزلاء سابقون وحاليون بتعرض بعض السجناء للتعذيب والاعتداءات الجنسية خلال التحقيقات أو الاحتجاز بهدف انتزاع المعلومات منهم.

هل سيطبق قانون العفو العام؟

تقول سارة*، وهي موظفة في سجن رومية تتعامل بانتظام مع السجناء، بمن فيهم نزلاء قسم "ب": "نتدرب على ألا نتأثر عاطفيًا بقصص السجناء، لكن عندما أستمع إلى بعض رواياتهم عن التعذيب الجنسي، سواء أثناء الاستجواب أو في أي سياق آخر، أشعر بأن ذلك يستنزف طاقتي".

التحقت سارة بالعمل في رومية بعد أيام قليلة من تخرجها من الجامعة، ولم تكن تتوقع أن قبول طلبها، رغم درايتها بسمعة السجن، "مهما كانت الجريمة، أحاول أن أجد صفة إيجابية واحدة في كل شخص، أن أتعاطف معهم بسبب ماضيهم المؤلم وطفولتهم الصعبة، وأدركت أن التواصل الإنساني يمكن أن يصنع المعجزات".

أكد نائب رئيس مجلس النواب اللبناني، إلياس أبو صعب، عقب إرجاء جلسة مناقشة مشروع القانون في يوليو/تموز، أن "مشروع قانون العفو العام سيُعاد النظر فيه، ونأمل أن تُعقد جلسة أخرى، من دون مقاطعة، لمناقشة هذا القانون وقوانين أخرى".

لكن لا يزال من غير الواضح متى سيُعاد طرح مشروع القانون، أو ما إذا كان من الممكن التوصل إلى توافق سياسي بشأنه. ونظرًا إلى تاريخ لبنان الطويل من الجمود السياسي، غالبًا ما يصعب التوصل إلى اتفاق بين مختلف الأطراف، وفي الوقت نفسه، ومع تحول اهتمام وسائل الإعلام في الأشهر الأخيرة إلى المواجهات بين "حزب الله" وإسرائيل، تراجع الاهتمام بقانون العفو العام، وكذلك بالأوضاع داخل سجن رومية.

وتختتم سارة حديثها بالقول: "النظام القضائي في لبنان غير عادل على الإطلاق. هناك أشخاص في سجن رومية أمضوا خمس أو ست سنوات من دون محاكمة، وآخرون لم يحظوا بإجراءات قضائية سليمة. قد نعتقد أن مثل هذا الظلم غير موجود، لكن الحقيقة أنه موجود. هؤلاء السجناء لا يشعرون بأن هناك من يستمع إليهم أو يلتفت إلى شكاواهم".

قنطرة ©