كيف يبدو المشهد الثقافي السوري بعد الأسد؟

منذر مصري، شاعر: سوريا تحتاج حرية حقيقية للإبداع
ولدت وعشت وعلى ما يبدو سأموت في اللاذقية، نشرت دواوين: (بشر وتواريخ وأمكنة) و(الصدى الذي أخطأ) و(الشاي ليس بطيئًا) والعديد من الكتب الأخرى في عدة مجالات. في الثامن من ديسمبر/كانون الأول، تخلخلت الأسس التي كان يحيا عليها السوريون جميعهم منذ ما يزيد عن نصف قرن، خاصة من بقي منهم داخل سوريا. تغيرت كل ما كانت تقوم عليه الكتابة، بل الثقافة والحياة الثقافية بأكملها.
صار هناك منظور آخر للكتابة، تغيرت المعطيات. مثلًا كنت أكتب حتى أشرح للآخرين كيف نحيا وكيف نقاوم العدم تحت وطأة النظام البائد. كنت أشرع بأن هذه هي مهمتي وميزتي؛ الآن المواضيع باتت مختلفة وتتطلب أنواعًا أخرى من المقاربات.

ما تحتاجه سوريا للعودة إلى مركزها الثقافي التاريخي مساحة حرية حقيقية للإبداع، وهذا يتطلب مواجهة بين أهل الثقافة والأدب وبين السلطة، كما هو دائمًا، وآمل ألا يكون أشد صعوبة وقسوة. لليوم الوضع جيد، لا رقابة ظاهرة على حرية التعبير، وهناك أصوات مناوئة قوية داخل البلد، ولكن هذا ليس معيارًا. يجب أن يكون هناك صحف مستقلة ودوريات أدبية متنوعة ليست من تمويل الدولة ذات صوت مخالف وناقد.
هيفي قجو: يجب الاستعانة بمختلف الأطياف الثقافية في سوريا
نشأت في مدينة عامودا، شمال شرق سوريا (روج آفا)، وأعيش حاليًا في العاصمة برلين منذ مغادرة سوريا قبل عشر سنوات. من بين أعمالي المنشورة: المجموعة القصصية "بُعد آخر" (2020)، وديواني شعر "ضوء يغمرني حتى اليقين" و"كشجرة يتلقفها المساء" (2023). لقد أثبت النظام السوري السابق بجدارة أنه طاغية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فقد قيّد الحريات العامة على كافة الأصعدة، واحتكر كل شيء لخدمة أجنداته وحماية سلطته.

لكن الثورة جلبت تغييرات لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم: ففي عام 2012، أنشأت الإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سوريا نظامًا مستقلًا تتمتع فيه النساء والرجال بحقوق متساوية، كما تخضع المؤسسة الثقافية هناك أيضًا لنظام ديمقراطي يحترم قناعات الفرد وحريته، لكن يبدو أن الحكومة الجديدة لا تُحبّذ هذه المساحة من التنوع والانفتاح، وتحاول فرض طابع ثقافي وسياسي أحادي، وترفض التعددية.
الأكراد هم ثاني أكبر عرقية في سوريا، وهاجسهم ليس محصورًا في الاعتراف بالحقوق الثقافية فحسب، بل يطالبون بحكم لا مركزي يمنحهم حقوقًا إدارية وسياسية، ليكونوا شركاء حقيقيين في بناء الدولة السورية، بعد أن همّشتهم الأنظمة المتعاقبة طوال تاريخها. يجب ألّا يُهمَّشوا مجددًا.
لقد عانى المثقف/ة السوري/ة الحقيقي/ة من العزلة والتهميش، فإما أن يكون بوقًا تابعًا للنظام، أو يظلّ/تظلّ في عزلته/ا، باستثناء بعض الأصوات المعارضة في الخارج، ولهذا، أرى أن عليهم/ن الخروج من هذه العزلة، وعلى الحكومة المؤقتة أن تستعين بالمثقفين والمثقفات من مختلف الأطياف الثقافية الموجودة في سوريا. هؤلاء هم من بإمكانهم إيصال سوريا إلى برّ الأمان، أما إذ جرى الاعتماد على ثقافة واحدة ولون واحد، فسيكون وبالًا على هذا الشعب الجميل، الذي قدّم الكثير من التضحيات في سبيل الحرية، ويستحق أن يعيشها كاملة، من دون قيود.
ريتا حلبي (فنانة تشكيلية): علينا مواجهة معاناتنا معًا
تخرجت من كلية فنون الجميلة بجامعة حلب عام 2018، ومنذ ذلك الحين، أنشط في المجال الثقافي الفني، وشاركت بأعمالي في معارض فنية، ولم أغادر سوريا سوى في زيارة قصيرة إلى لبنان.

في يونيو/حزيران الماضي، نظّمت مشروعي الفني الأول في غاليري مصطفى علي بدمشق، وهو عرض أدائي تفاعلي تحت عنوان "ملف مرض نفسي"، حيث يلاحقنا كسوريين المرض النفسي منذ عقود حتى تراكم فينا، وأصبح ضاغطًا علينا.
ورغم ذلك، يعاني الكثير منه بصمت، ولا يفصحون عنه خشية الوصم المجتمعي، لهذا، يعدّ المعرض بمثابة إلقاء حجر صغير في مياه راكدة، كي نواجه المشكلة ونتعامل مع معاناتنا معًا، ونحلها سويًا.

أما المشهد الثقافي فهو حاضر في سوريا في أغلب الأوقات، ربما قليل النشاط في الوقت الراهن نظرًا لأحداث العنف الأخيرة، ولكن هناك بريق أمل يلوح بالأجواء. أما الفرص الجديدة، فهي أفكار موجودة بعقل كل فنان ويخرجها في وقتها المناسب؛ فالفن بالنسبة لي أداة تعبير وتغيير.
يارا قطيش، ممثلة ومنتجة: لدينا نوع جديد من الرقابة
بعد أن اضطررت لمغادرة السويداء عام 2012، وجدتُ وطنًا جديدًا في البرازيل بعد محطات عديدة في بلدان أخرى. عُدت إلى سوريا في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار 2025، وكلي أمل، لكنني أدركت أنني مازلتُ أشعر بالحرية في وطني الأول، فبينما نتمتع كفنانين بحرية أكبر، إلا أن هناك في الوقت نفسه، شكلاً جديدًا من الرقابة.
خلال فترة وجودي في دمشق، شاركتُ في عرضٍ مسرحي قرأنا فيه نصوصًا لمؤلفين سوريين كُتبت بين عام 2011 وسقوط نظام الأسد. أُقيم العرض بعد يومين فقط من اندلاع القتال في اللاذقية. كان هذا شكلًا من أشكال المقاومة لدينا. حافظنا على تكاليف الإنتاج عند أدنى حد، ومع ذلك، نظرًا لحاجتنا إلى الديزل لتشغيل مولد كهربائي، على سبيل المثال، وهو أمرٌ ضروريٌّ بسبب انقطاع التيار الكهربائي المستمر، اضطررنا إلى التقدم بطلب للحصول على تصريح من وزارة الثقافة.

تفهمنا الأمر، وعندما حصلنا على إذن من هيئة المسرح التابعة لوزارة الثقافة، قرروا حذف أحد نصوصنا الذي يتناول قصة أخ وأخت يعيشان في أوروبا كلاجئين. يزورهما والداهما من سوريا، لكن القصة تنتهي بتهديد الفتاة بالانتحار بسبب تصرفات والدها. قالوا إن هذا غير مقبول، مدعين أن النص الأصلي يحتوي على كلمات بذيئة، وبصفتنا فنانين من مناطق سورية مختلفة، نحن نختبر المياه كما تختبر الحكومة الجديدة حدودنا. هناك الكثير من "لا" والقليل من "نعم".
من ناحية أخرى، عاد الفنانون على الأقل إلى ممارسة نشاطهم رغم العوائق البيروقراطية والرقابة الجديدة. هناك الكثير من الحفلات موسيقية، والعروض المسرحية، والمعارض. نأمل أن نتمتع قريبًا بالحرية في الثقافة والفن.
سيتم نشر هذا النص قريبًا في نسخة مطبوعة مشتركة بين قنطرة ومجلة Kulturaustausch. ولمزيد من التحليلات والمقابلات والتقارير حول سوريا عبر موقعنا هنا..
قنطرة ©