السياسات الأوروبية تعمّق أزمة المنظمات الأهلية

لا يزال التحول الديمقراطي الواسع الذي خرجت لأجله ثورات الربيع العربي قبل أربعة عشر عامًا في غرب آسيا وشمال أفريقيا بعيد المنال. ورغم تغييرات الأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن في 2011، ومؤخرًا في الجزائر والسودان وسوريا، فإن الحكم الاستبدادي قائم في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
طوال هذه الفترة، واجهت منظمات المجتمع المدني، مثل المنظمات غير الحكومية والمنظمات المجتمعية وحركات الاحتجاج، تصاعدًا في عمليات المراقبة والاضطهاد، مما أعاق بشدة عملها المحوري.
في مصر وتحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، استهدفت تشريعات مثل قانون الجمعيات الأهلية لعام 2019، منظمات المجتمع المدني المستقلة، مما قيّد عملها رسميًا في مجال "التنمية المجتمعية"، وحظر فعليًا العمل في القضايا السياسية مثل قضايا عدم المساواة أو حقوق الإنسان أو التلوث البيئي.
وأصبح التشهير، والملاحقة القضائية الجائرة، والاحتجاز غير القانوني لموظفي منظمات المجتمع المدني أمرًا شائعًا. وفي عام 2022، أُجبرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان (ANHRI)، إحدى أبرز منظمات المجتمع المدني في البلاد، على الإغلاق بعد 18 عامًا من العمل، إذ حال القمع دون عملها.

هل تغاضى الغرب عن حقوق الإنسان في مصر؟
حتى بعد عشر سنوات من سيطرة الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي على السلطة يرى نشطاء أن الحقوق المدنية في تدهور مستمر في حين يركَّز الغرب غالبا على أشياء أخرى. ملاحظات الصحفية كاثرين شير.
على صعيد آخر، تُجسّد مصر توجهًا إقليميًا واسع النطاق، فقد حافظت المنطقة على مكانتها كأكثر منطقة في العالم استبدادًا وفقًا لمؤشرات الديمقراطية العالمية. وتواجه أعلى مستويات قمع منظمات المجتمع المدني عالميًا، وتحتل حكوماتها أدنى مرتبة في مشاركة منظمات المجتمع المدني، مما يعكس مدى تأثير هذه المنظمات على صنع السياسات.
من جهة أخرى، نرى أنه حتى في الديمقراطيات القليلة المعيبة في المنطقة، مثل العراق ولبنان وإسرائيل، تقلّصت المساحة المتاحة أمام منظمات المجتمع المدنيّ جرّاء التضييقات والهجمات من جانب أجهزة إنفاذ القانون، والجهات الفاعلة الدينية، والشعبوية المتزايدة، والتشريعات الاستبدادية.
فمنذ انتفاضات عام 2011، رسّخت القوى المضادة للثورة مبدأ الاستبداد. لذا كان لزامًا على الدول المانحة مضاعفة جهودها لدعم منظمات المجتمع المدني المستقلة العاملة في سياقات قمعية، ومساعدتها على الصمود في وجه هجمات السلطات.
النظم الاستبدادية ليست شريكة مناسبة للاستقرار
يجب على الحكومات الأوروبية أن تُدرك أن نخب النظام الحاكم في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا غير راغبة إلى حدٍ كبير في تطبيق إصلاحات من شأنها أن تُقلل من سيطرتها على المؤسسات السياسية، أو صنع السياسات، أو توزيع الموارد. ونتيجةً لذلك، تُعزز السياسات الحكومية الأوروبية استمرارية الوضع الاستبدادي.
وركزت السياسات الأوروبية بشكل رئيسي على دعم المؤسسات التنفيذية لتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات العامة وضبط حدودها، وذلك بدلًا من تمكين الجهات القادرة على محاسبة الأنظمة. وكثيرًا ما يُبرَّر هذا النهج بالإشارة إلى أهداف التنمية، أو مكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية.
ساعدت هذه السياسات على استدامة فساد أجهزة الدولة بمنح الأنظمة الاستبدادية حقّ الوصول إلى الموارد. في الوقت نفسه، سهلت توفير المعدات والتدريب من مهمة أجهزة الأمن الاستبدادية القمعية، مما ساهم بشكل كبير في تغذية مبدأ الهجرة التي تسعى هذه السياسات إلى منعها.

على جانب آخر، تُسلّط الشراكة الأوروبية مع تونس الضوء على العواقب غير المقصودة للسياسة الخارجية والتنموية الأوروبية، فقد أدّى الخطاب الشعبوي والمعادي للأجانب الذي تبناه الرئيس التونسي قيس سعيد، إلى جانب تصرفات قوات الأمن التونسية المُدرّبة والمُجهّزة من أوروبا، إلى تأجيج العنف ضدّ التونسيين السود والمهاجرين الأفارقة، ما تسبب في ترحيل مئات المهاجرين إلى الحدود الليبية، حيث يُعانون من ظروف لا إنسانية.
كذلك الحال في مصر، فقد أدى القمع في ظلّ حكم السيسي العسكري إلى زيادة كبيرة في عدد المصريين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا عبر طرقٍ بحرية محفوفة بالمخاطر، على الرغم من الاستثمار الأوروبي الكبير في مراقبة الحدود المصرية. وقد مكّن التعاون الأمني الأوروبي، من خلال التمويل والمعدات والتدريب، السلطات من توسيع حملتها ضد منظمات المجتمع المدني، مما ساهم في ترسيخ مناخ قمعي وزيادة الهجرة من مصر.
كما صنفت إسرائيل، رسميًا، العديد من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية كمنظمات إرهابية، الذي أدى إلى حظر تمويلها أو التعبير العلني عن دعمها، الأمر الذي يسمح للسلطات الإسرائيلية بإغلاق مكاتبها ومصادرة أصولها واعتقال موظفيها.

كيف فاقم قانون الجمعيات الجديد محنة النشطاء الحقوقيين؟
إعلان الشبكة العربية لحقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية مصرية شهيرة، وقف أنشطتها يسلط الضوء على الوضع الحقوقي الكارثي في مصر رغم كل تطمينات الدولة. التفاصيل من جينفير هوليس.
لقد أدت القوانين الإسرائيلية الجديدة إلى تآكل حرية الصحافة بشكل غير مسبوق. ومع ذلك، جدد الاتحاد الأوروبي، في اجتماع مجلس الشراكة مع إسرائيل فبراير/شباط، دعمه لإسرائيل، متجاهلاً الدعوات إلى تعليق اتفاقية الشراكة بسبب انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان وانتهاكات القانون الدولي في غزة وخارجها.
توضح هذه الأمثلة أنّ أيّ نتائج قصيرة الأجل لمثل هذا التعاون تأتي على حساب ترسيخ الاستبداد، واستمرار انتهاكات حقوق الإنسان، فهو يُمكّن قوات الأمن القمعية، ويُقوّض المساءلة، ويُفاقم الاستقطاب، ويُؤجج العنف السياسي، والهجرة غير النظامية، وعدم الاستقرار.
دعم مرتبط بالسياق
ينبغي على صانعي السياسات الأوروبيين فهم الظروف التشغيلية الخاصة بالمنظمات على المستويين الوطني والإقليمي؛ لدعم منظمات المجتمع المدني في المنطقة. ويجب أن يكون الدعم مُصممًا دائمًا بما يتناسب مع الظروف المحلية.
وحال السياقات شديدة القمعية، قد لا يكون ممكنًا تقديم دعم دفاعي لمنظمات المجتمع المدني إلا، على سبيل المثال، في شكل حماية موظفي منظمات المجتمع المدني من خلال برامج التأشيرات والزمالة الخاصة.
حتى أن بعض الأنظمة الاستبدادية استولت على جهات فاعلة غير حكومية، بما في ذلك النقابات العمالية، والمنظمات الدينية. إذ لم يعد من الممكن اعتبار هذه المنظمات مستقلة لأنها مُجبرة على عقد صفقات مع الأنظمة الاستبدادية.
وتعدّ المعرفة المحلية بمشهد المجتمع المدني ودور الدولة في الاستقطاب والقمع في هذه الحال، أمرًا بالغ الأهمية لتحديد وكلاء التغيير، وتجنب تمويل المنظمات التي جرى استقطابها.

انتفاضة تونس على قيس سعيد؟
إقبال ضئيل جدا على انتخابات تونس البرلمانية يعكس إحباط التونسيين، بينما تنجرف البلاد نحو الاستبداد. فما القادم؟ وهل تستطيع المعارضة المشتتة إزاحة سعيّد؟ استعلام كاثرين شير وطارق القيزاني.
هل يتجه إلى الرئاسة؟
يجب على الدول المانحة اعتماد استراتيجيات دعم أكثر طموحًا تهدف إلى تعزيز قدرة منظمات المجتمع المدني على الصمود. ويمكن للجهات المانحة أحيانًا تجاوز قيود التمويل، على سبيل المثال، من خلال تمويل المنظمات الشقيقة ونشطاء حقوق الإنسان المنفيين.
وبهذا تستطيع تلك الجهات، تمكين منظمات المجتمع المدني في المنطقة من خلال الإشارة إلى تقاريرها، ومطالبها، وتوفير منصات لها في الفعاليات الدولية أو التجمعات الدبلوماسية.
وبالنظر إلى المشهد العام نجد أنّ أسباب ثورات الربيع العربي لم تُحل أو تتحسن، فقد تفاقمت التوترات الاجتماعية والسياسية الكامنة، والظلم الاقتصادي طويل الأمد بالنسبة لمعظم مواطني المنطقة على مدى العقد الماضي.
وكنتيجة لذلك، ليس من المُبالغة التنبؤ بأنّ السنوات القليلة القادمة ستشهد اندلاع المزيد من الاحتجاجات الشعبية، ومزيدًا من القمع العنيف من الحكومات الحاكمة. ولكن من المُرجَّح أيضًا أن تكون هناك فرصٌ سانحة للتحول السياسي والاقتصادي. ومن الأهمية بمكان أن يدعم صانعو السياسات فاعلي التغيير للتحضير لهذه الفرص.
النص مترجم من اللغة الإنجليزية
قنطرة ©