"الحرب ليست ساحة مغامرات"
قنطرة: السيدة فورش صعب، من خلال منظمتك غير الحكومية "محاربون من أجل السلام"، تقومين بحملة من أجل السلام، ماذا يعني هذا في بلد مثل لبنان؟
كرستينا فورش صعب: بالنسبة لنا، يتعلق الأمر في المقام الأول بالسلام الداخلي والتماسك الاجتماعي. جميع شهود العيان لدينا خاضوا الحرب الأهلية، لكنهم ينتمون إلى خلفيات اجتماعية مختلفة ومن جميع أنحاء البلاد؛ بعضهم سُنّة، وآخرون شيعة، وآخرون دروز، وآخرون ملحدون. يقول محاربونا السابقون: "لقد جربنا العنف وفشلنا. لإحداث التغيير، لا بد من تجربة الوسائل السلمية".
انتهت الحرب الأهلية اللبنانية منذ عام 1990، والمحاربون من تلك الحقبة هم الآن في الستينيات والسبعينيات من العمر. هل ما زال الشباب يستمعون إليهم؟
لحسن الحظ، نعم! لا يعرف الكثيرون عن الحرب الأهلية، وعندما يسمعون شيئًا عنها، يكون ذلك عادةً من دائرة عائلاتهم المباشرة، حيث غالبًا ما يتلقون رواية محددة، ولا يتعرضون لوجهات نظر مختلفة حول تاريخ العنف في البلاد.
هل الأمر مختلف مع منظمة "محاربون من أجل السلام"؟
عندما نزور المدارس أو نوادي الشباب أو الجامعات، نظهر دائمًا في إطار ثنائي: مقاتلان سابقان من مجموعتين مسلحتين مختلفتين، غالبًا رجل وامرأة. يجد الشباب هذه الزيارات مثيرة للاهتمام لأنها تقدم تجربة واقعية.
ما الذي يستفيده الشباب اللبناني من هذه اللقاءات؟
نريد تشجيع التفكير النقدي ومنع التطرف، ومن الناحية العلمية، يُعرف هذا بـ"الوقاية الأولية". رسالتنا الأساسية هي: عندما تشنّ حربًا، فإنك تفتح صندوق ملغمًا. لا تعرف كم ستستمر هذه الحرب أو مدى فداحة الخسائر التي ستترتب عليها. الحرب ليست ساحة مغامرات.
يقول قدامى المحاربين دائمًا إنهم كانوا يتمنون لو أن أحدًا حذرهم في بداية الحرب الأهلية، فقد كان العنف السياسي في سبعينيات القرن الماضي يُمجَّد في أوساط واسعة من المجتمع اللبناني، وأولئك الذين لم يشاركوا في الحرب بأنفسهم كانوا في الغالب يشجعونها على الأقل.
هل الوضع مختلف اليوم؟
للأسف، لا يزال هو الحال بين شرائح من السكان الشيعة وفي الأوساط المقربة من حزب الله، لكن في المجتمع الأوسع، تراجع تمجيد الحرب بشكل ملحوظ. صحيح أنني أرى خطرًا يتمثل في أن الشباب لا يعرفون سوى القليل عن الحرب الأهلية، لكنهم في الوقت نفسه، يعيشون الحرب الآن مرة أخرى بشكل مباشر ولديهم نقاط مرجعية جديدة، وهم يعرفون الآن كيف تبدأ الحرب ويبدو الشعور بها.
هل التصعيد الحالي بين إسرائيل وحزب الله يجعل الناس أكثر استعدادًا للإنصات لهكذا مبادرة؟
بالنسبة للبعض، نعم. لكن هناك آخرين يتساءلون أيضًا: لماذا نريد التحدث عن الحرب الأهلية بعد كل ما حدث؟ جائحة فيروس كورونا، وانفجار مرفأ بيروت عام 2020، والأزمة الاقتصادية، والآن فترتا الحرب في عامي 2024 و2026.
وكيف تردون عليهم؟
نحن نحاول تسليط الضوء على الروابط، لماذا نحن في حالة حرب اليوم؟ لأن لدينا جماعة مسلحة في البلاد، وهي حزب الله، نشأت خلال الحرب الأهلية واستُثنيت من معاهدة السلام بحجة أنها كانت مضطرة للقتال ضد إسرائيل في جنوب لبنان. ولا يزال حزب الله نشطًا حتى يومنا هذا لأن الحرب لم تُعالج بشكل سليم. لم تكن هناك مساءلة؛ بل جرى تمرير قانون عفو بدلاً من ذلك، وكان هذا أمرًا مؤلمًا للضحايا، وهذا كان خطأً ارتُكب خلال عملية إنهاء الحرب.
منذ أن تضاءلت القوة العسكرية لحزب الله، تجدد النقاش حول الهدف طويل الأمد في نزع سلاح الميليشيا، ونص الاتفاق الإطاري المبرم بين الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو/حزيران على ذلك صراحةً، هل يبدو نزع السلاح هدفًا واقعيًا؟
يجرى الآن نقاش علني حول مسألة وجوب خضوع الأسلحة لسيطرة الدولة، وهو الأمر الذي كان من المحرمات السياسية والاجتماعية في الماضي. فرغم وجود أصوات شجاعة دائمة من المجتمع المدني، إلا أن معظم الناس كانوا خائفين.
كيف تفسرين هذا التحول في خطاب الرأي العام؟
تتزايد أصوات الدعوات إلى نزع السلاح، بل إنها تأتي الآن حتى من داخل المجتمع الشيعي نفسه. فعلى سبيل المثال، أثار أحد مقدمي البودكاست الشيعة ضجة كبيرة مؤخرًا.
وما الذي يغيّر الرأي العام؟
إلى جانب ضعف حزب الله، يرجع ذلك أيضًا إلى أن الناس قد سئموا الوضع. فهم يدركون أن لبنان قد جُرّ مرة أخرى إلى مغامرة لا تفيد سكان غزة ولا سكان جنوب لبنان. فقد كان جنوب لبنان قد تحرر منذ انسحاب إسرائيل في عام 2000، فلماذا كان لا بد أن يحدث هذا؟ بالنسبة لقطاعات واسعة من السكان، هذا جنون تام.
في المقابل، يؤدي القصف الإسرائيلي وعمليات التوغل البريّ إلى دفع المزاج العام مجددًا في الاتجاه المعاكس، وهذا يخلق صورة مضللة تمامًا. وهذا بالضبط ما يحتاج إليه حزب الله، ليقدم نفسه بوصفه المنظمة الوحيدة التي تقف في وجه إسرائيل.
وحال نزع سلاح حزب الله فعليًّا، فماذا سيعني ذلك بالنسبة لـ"محاربون من أجل السلام"؟
نحن نولي اهتمامًا كبيرًا للطريقة التي يمكننا بها دعم المقاتلين السابقين في حزب الله وإعادة دمجهم في مثل هذا السيناريو. ولذلك، فإننا نعزز وجودنا في المجتمعات الشيعية، ونحاول تنظيم حوار مجتمعي في جنوب لبنان، ولكن في البداية نكتفي بالتواجد هناك، والاستماع، والسعي لفهم الرؤى الحقيقية للناس بشأن مستقبل لبنان.
هل يوجد بالفعل مقاتلون سابقون في حزب الله ضمن مجموعتكم؟
هناك أشخاص على اتصال بنا، وبينما كانت الحرب في سوريا لا تزال مستمرة وكان حزب الله يدعم نظام الأسد، تواصل معنا بعض المقاتلين من تلقاء أنفسهم لأنهم أصيبوا بخيبة أمل.
لماذا؟
في ذلك الوقت، كانوا يسألون أنفسهم: "ماذا نفعل في سوريا؟ من المفترض أن نكون حركة مقاومة ضد إسرائيل". كانوا يريدون الدعم لإحداث تغيير داخل حزب الله، وهو ما لم نتمكن بالطبع من توفيره. لكننا تمكنا من مساعدتهم على التعايش مع ما مروا به. وفي نهاية المطاف، شجعناهم على مغادرة الحزب من خلال حثهم على التقدم للحصول على منح دراسية في الخارج ومغادرة البلاد في أسرع وقت ممكن.
كيف تبدو عملية الخروج النموذجية من منظمة مثل حزب الله؟
بشكل عام، هكذا يعمل التطرف: ينجذب الشباب إلى ميليشيا أو جماعة متطرفة بحماس كبير. ويجرى دمجهم في هياكل المنظمة، ويحظون بالتقدير، وتُتاح لهم فرص للترقي. ولكي يغادروا، لا بد أن يحدث شيء ما. وغالبًا ما يأتي هذا الحدث في شكل خيبة أمل، على سبيل المثال، إدراك أن النظرية لا تتطابق مع الواقع، كما في حالة دعم حزب الله لنظام الأسد. ومن العوامل الرئيسية أيضًا التحولات الحياتية؛ إذ تتغير وجهة نظر المرء عندما يصبح أبًا، على سبيل المثال.
ألا يقول الخبراء إن عملية إزالة التطرف تستغرق سنوات؟
تشير الأبحاث إلى أن الأمر يستغرق حوالي عشر سنوات. بعد الحدث المُحفّز، لا يزال يتعين على الشخص مغادرة الجماعة المتطرفة. أولئك الذين يغادرون يفقدون اتصالاتهم ويُعاملون بعدائية باعتبارهم خونة. يفقدون مكانتهم، وهدفهم، وآفاقهم في الحياة، وسلطتهم، كل هذا يجب تعويضه تدريجيًا.
هل تساعد منظمة "محاربون من أجل السلام" في هذا المجال أيضًا؟
على سبيل المثال، أقوم بعمل سير ذاتية مع أشخاص كانوا منخرطين في جماعات متطرفة. ونُعيد التفكير معًا في المُثُل التي كانوا ملتزمين بها، وإذا ذُكر مبدأ مثل "العدالة"، فإننا ننظر في كيفية الاستمرار في الدفاع عن العدالة الآن بعد أن فشل حل العنف. وبهذه الطريقة، يمكن للمتضررين أن يجدوا دورًا جديدًا وذا مغزى.
لقد أحضرتم أيضًا مقاتلين لبنانيين سابقين إلى ألمانيا للمشاركة في فعاليات منظمة "محاربون من أجل السلام"، لماذا؟
بدأ كل شيء مع أزمة اللاجئين عام 2015؛ فقد وصل فجأة 750 لاجئًا سوريًا إلى إحدى ضواحي شتوتغارت. كان الكثير منهم قد فقدوا كل شيء، وفي بعض الحالات كانوا على خلاف مع بعضهم البعض: مؤيدو النظام ومعارضوه، وأشخاص فروا من تنظيم داعش أو من نظام الأسد. وفجأة، أصبحوا جميعًا يعيشون معًا في مركز لجوء. شارك محاربونا السابقون تجاربهم، وكان الأمر أشبه بانفجار سد؛ لم يستطيع اللاجئون التوقف عن الكلام.
هل تزورون المدارس في ألمانيا أيضًا، كما تفعلون في لبنان؟
نذهب إلى كليات التدريب المهني، زرنا ذات مرة فصلًا دراسيًّا في قلب بافاريا، حيث كان 20 من أصل 25 طالبًا من سوريا أو العراق. كان من المهم أن يسمع الشباب من المقاتلين السابقين إلى أين يؤدي العنف، وأنه من الممكن التحرر منه.
ما الذي يدفع مقاتليكم السابقين إلى العمل في ألمانيا، في حين أن هناك الكثير مما يمكن القيام به في لبنان؟
لقد أصبح العالم أكثر تقاربًا. فجماعات مثل حزب الله أو داعش لديها شبكات في الخارج، بما في ذلك ألمانيا، ويضاف إلى ذلك اللجوء والهجرة. وغالبًا ما لا تتوفر في ألمانيا مساحة كافية للتعامل مع التجارب الصادمة، فكثيرًا ما يتجنب المعلمون والمحاضرون والأخصائيون النفسيون في المدارس والعاملون الاجتماعيون التطرق إلى هذه القضايا، حتى عندما تتجدد الصراعات، كما يحدث حاليًا بين إسرائيل ولبنان. فالناس لا يجرؤون على الحديث عنها.
ملاحظة: سبق أن تلقت منظمة "محاربون من أجل السلام" تمويلًا من برنامج (zivik) الذي يديره معهد العلاقات الثقافية الخارجية (ifa)، كما أن موقع قنطرة يتخذ من معهد العلاقات الثقافية الخارجية مقرًا له.
ترجم النص من الإنجليزية بأدوات ترجمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي: محمد مجدي
قنطرة ©