عندما وصلت الحرب إلى مبنانا في بيروت

يتصاعد عمود من الدخان من مبنى في حي مكتظ بالسكان في بيروت، ويظهر البحر والسماء في الخلفية.
غارة إسرائيلية على جنوب بيروت، 2026. (Photo: picture alliance / AP | H. Ammar)

تختبر الحرب الجارية بين إسرائيل وحزب الله حدود التماسك الاجتماعي في لبنان. توثق منال خضر اللحظة التي وصلت فيها الحرب إلى بنايتها السكنية في بيروت، وكيف تردّد صداها في حي بدارو ذي الغالبية المسيحية.

تقرير: Manal Khader

البساطة والخصوصية. لكل شقة خصوصيتها، لكن معظم السكان تتشابه خلفياتهم؛ مسيحيون على الأغلب، ميسوروا الحال ومتعلمون. يصف جيراني أنفسهم بأنهم "متحضرون"، وهي كلمة تحمل افتراضاتها الخاصة حول النظام والذوق ومن ينتمي.

يقع المبنى في بدارو بالعاصمة اللبنانية بيروت، وهو حي كان يمتد على طول الخط الأخضر خلال الحرب الأهلية اللبنانية، قبل أن يتغير واقعه تمامًا مع بمضي السنوات: مقاهٍ، مطاعم، إيقاع حضري مصقول. قريب بما يكفي من الضاحية ليشعر بالاهتزاز، لكنه بعيد بما يكفي ليحلم بالمسافة والأمان.

انهارت تلك المسافة في الثاني من مارس/آذار.

ضربت غارات جوية إسرائيلية في الساعات الأولى من الصباح، الضاحية الجنوبية المكتظة بالسكان ومعقل حزب الله في بيروت. هزت انفجارات الساعة الثالثة فجرًا أرجاء المدينة، وبحلول الصباح كان ذلك الجزء من المدينة قد بدأت ملامحه تتغير: شوارع فارغة، روتينيات معلّقة، أحياء كاملة تتحرك، وهُجر مئات الآلاف.

في الواقع، كان النزوح قد بدأ بالفعل في أواخر فبراير/شباط، مع اشتداد الضربات على الحدود وبدء سكان جنوب لبنان بالمغادرة قسرًا. شكّلت الضاحية نقطة التحول ــ اللحظة التي دخلت فيها الحرب مركز ثقل المدينة.

"يجب أن نبقى يقظين"

دبت الحياة في مجموعة واتساب مبنانا.

كانت الرسائل عملية في البداية: تقليل استهلاك الغاز، إيقاف تشغيل المدافئ. اعترض البعض، "الجو بارد جدا"، "مبنى مثل مبنانا يجب أن يحافظ على الحد الأدنى من الراحة"، جاءت الردود بسرعة، على شكل دفعات قصيرة. ناقشنا وصوتنا. وبقيت آليات التحضر قائمة، وإن لم تخلُ من احتكاك. تم تمرير التصويت: لا مزيد من التدفئة. كتب أحدهم: "هذه الحرب مختلفة. يجب أن نتكيف".

ثم تغيّرت النبرة. أصبح الأمن هو الهاجس، "يجب أن نبقى يقظين. هناك شقق فارغة في المبنى وفي الجوار. لا يمكننا السماح للغرباء باحتلال المبنى، أو المباني من حولنا". طُرحت فكرة التعاقد مع شركة أمن خاصة، مرة أخرى، نقاش ثم تصويت: مراقبة لمدة اثنتي عشرة ساعة، على أن يتولى حارس العقار بقية الوقت.

تحت هذه النقاشات الغاز، التدفئة، الأمن ظهر القلق الحقيقي: النازحون قادمون. سيصلون من الجنوب، من الضاحية. سيأتون إلى هنا.

بحلول 21 مارس/آذار، انتشرت رسالة في أنحاء المدينة، ووصلت إلى مجموعة دردشتنا، دعت سكان الكرنتينا والأشرفية إلى البقاء يقظين. وقد ذُكرت المنطقتان صراحة ــ الكرنتينا بوصفها منطقة تاريخية للطبقة العاملة على الميناء، والأشرفية كحي ثري يغلب عليه الطابع المسيحي. حذّرت الرسالة ــ دون تحقق ــ من خطط لإعادة توطين نازحين من الشيعة في هذه المناطق، ما أثار مخاوف من تحول ديموغرافي قد يغيّر توازنها الاجتماعي الهش. وسألت: أين مملثينا؟ ولماذا لا يوجد رد؟

الحرب تعمّق الانقسامات

لاقت الرسالة صدى واسعًا، وبعد أن كان المبنى معزولًا ومنظمًا، بدأ يتحدث بلغة مختلفة، وتحول الخطاب من الإدارة المشتركة إلى الشك الخفي، ومن الإجراءات المدنية إلى رد فعل الجماعي. أما في الخفاء، كانت النبرة أكثر إثارة للقلق.

بدأت كلمات مثل "متسللين" تظهر في الدردشة، أفاد أحد الجيران بأن شقة في المبنى المقابل تستضيف الآن مجموعة كبيرة ــ ربما عائلة، وربما لا. شباب، دراجات نارية مهترئة متوقفة بالخارج، حركة مستمرة، ليالي متأخرة، ضوضاء، شيشة.

اقترح أحدهم: "يجب أن نتصل بالمخابرات، هذا مقلق. ماذا لو كان أحدهم حزب الله؟".

تولى اثنان من السكان الأكثر على عاتقهما التحقيق بأنفسهما، تواصلا مع الأمن، واستشارا محاميا، وأجريا استفسارات. اتضح أن عائلة ممتدة، مشردة من الجنوب، قد لجأت إلى مستأجر.

لكن التوضيح لم يخفف التوتر، بل على العكس زاده.

أصبحت المخاوف التي كانت تُناقش حتى ذلك الحين بإجماع الآن نقاط انقسام، ما بدا كمجموعة متناغمة لم يعد قادرًا على الحفاظ على لغة مشتركة. بدا أن فكرة ما يعنيه أن تكون "متحضرًا" وكأنها تنهار، وظهرت اتهامات. وصف أحد السكان آخر، بأنه "فاشي": لا يمكنك التحدث عن أناس يعانون كما لو كانوا تهديدًا، احتدت النقاشات. 

أصرّ بعضهم على التضامن ــ الترحيب بالنازحين ومساعدتهم، بينما رفض آخرون الفكرة من الأساس، غير مبالين حتى بالنظر فيها.

لا يخلق الخوف تصنيفات جديدة؛ بل يُبرز تلك الموجودة أصلًا ــ اجتماعية كانت أو أيديولوجية أو غيرها ــ والتي عادة ما تكون بعيدة عن الأنظار. وعلى وقع الضغط، تبدأ هذه التصنيفات في تشكيل نظرة الناس لبعضهم البعض، ومكانتهم الاجتماعية.

تبدأ هذه الفئات في تشكيل كيفية رؤية الناس لبعضهم البعض، وأين يعتقدون أنهم ينتمون.

تعمق الحرب الانقسامات، لكن ثقلها يقعى بشكل أكبر على النازحين ــ ينتقلون من مكان إلى آخر، يعيشون في حالة عدم اليقين، ويدخلون أماكن لا يستقبلون فيها دائما بالكامل.

ما يبقى هو حالة من الخوف وعدم اليقين والتوتر، يشترك فيها الجميع، لكنها ليست متساوية أبدًا.

ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي

قنطرة ©