الكويت تجرّد مبدعيها من جنسيتهم

أمير الكويت، الذي يرتدي ثوباً طويلاً ومنديل رأس أبيض، يحيي الحشد.
أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الصباح خلال العرض العسكري السنوي بمناسبة يوم الاستقلال الفرنسي في باريس في 14 يوليو/تموز 2025. (Photo: Picture Alliance | Tschaen Eric/Pool/ABACA)

فقد ما يصل إلى 300 ألف شخص جنسيتهم الكويتية في غضون عامين فقط. وما يُروَّج له على أنه "إجراء تصحيحي"، ترك أيضًا نجوم المشهد الثقافي المحلي بلا وطن؛ ومن بين هؤلاء الكاتب طالب الرفاعي، المُلقب بـ"عرّاب الرواية الكويتية".

تقرير: عبد الرحمن عفيف

وقع النبأ كالصدمة على الأوساط الثقافية العربية؛ إذ جردت الحكومة الكويتية بموجب عدة مراسيم في يونيو/حزيران الماضي، بين ليلة وضحاها، 2,193 شخصًا وأفراد عائلاتهم من الجنسية. ولم يستثنِ هذا الإجراء شخصيات بارزة في مجالات الفن والأدب والعلوم، ممن ساهموا في تشكيل وجه الكويت الثقافي والحضاري على مدى عقود.

يتصدر قوائم الأسماء الروائي والقاص الكويتي المعروف عالمياً، طالب الرفاعي، يليه مباشرة المؤرخ هشام العوضي، والثنائي الملحن يوسف وعبد المحسن المهنا.

وتأتي عمليات التجريد الجماعي من الجنسية كجزء من حملة مستمرة منذ أكثر من عامين، تهدف إلى ما يوصف بتصحيح حالات منح الجنسية التي يُزعم أنها تمت عن طريق الخطأ. ومع ذلك، فإن الحجج القانونية أو الأسباب المحددة التي تستند إليها السلطات في هذه الحالات العينية لا تزال غير معلنة للرأي العام.

ومع تنصيب الأمير مشعل الأحمد في ديسمبر/كانون الأول 2023، صعدت إلى مركز السلطة في الكويت أيديولوجية تسعى إلى التراجع عن المسارات الديمقراطية التي شهدتها البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي هذا السياق، تستند السلطات إلى قانون الجنسية الصادر عام 1959، والذي يُعرّف "الكويتيين الأصلاء" بأنهم أفراد العائلات التي استقرت في الكويت قبل عام 1920 وحافظت على إقامتها الدائمة فيها منذ ذلك الحين.

وقد طالت هذه الحملة حتى أبريل/نيسان 2026، أكثر من 71 ألف شخص – دون احتساب أفراد عائلاتهم الذين يجب إضافتهم إلى هذا العدد. وإجمالاً، يُقدّر أن ما يصل إلى 300 ألف شخص، أي نحو عشرين بالمئة من مواطني الكويت، قد فقدوا جنسيتهم. وحذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في يونيو/حزيران 2026، من أن النساء والأطفال هم الأكثر تضررًا من التبعات القانونية لهذه الإجراءات، نظرًا لأن إسقاط الجنسية عن رب الأسرة يمتد تلقائيًا ليشملهم أيضًا.

بيد أن تجريد طالب الرفاعي وغيره من المثقفين من جنسياتهم يحمل بُعدًا آخر؛ إذ يرى خبراء أن سحب الجنسية من مبدعين ومثقفين بارزين – دون الكشف عن أدلة قانونية ملموسة – يمثل محاولة لتقويض النقاش النقدي وكبح حرية التعبير، لا سيما بعد الحل غير الدستوري للبرلمان في مايو/أيار 2024.

الرفاعي: مؤرخ الفئات المهمشة

وُلد طالب الرفاعي في الكويت عام 1958. ولم يسعِ في نتاجه الأدبي يومًا إلى مجرد تحقيق الشهرة، بل ركز على التفكيك المؤلم للتحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الكويتي، حيث تتميز رواياته وقصصه القصيرة بالتزام راسخ لا يتزعزع بالدفاع عن الفئات المقصية والمنبوذة.

فمنذ روايته "ظل الشمس" (1998)، كسر الرفاعي واحدًا من المحظورات الجوهرية في دول الخليج حين كتب عن الاستغلال الممنهج للعمالة الوافدة، كما تطرق أيضًا إلى قضية مَن يُطلق عليهم "البدون" – وهم الأقلية التي تعيش بلا جنسية في الخليج منذ عقود.

وقد نال الكاتب عن روايته "رائحة البحر" (2002) جائزة الدولة التشجيعية، وتُوِّج لاحقًا بجائزة الدولة التقديرية المرموقة عن مسيرته الإبداعية الكاملة. ويبدو الأمر اليوم أشبه بتراجيديا شكسپيرية؛ إذ يواجه الرفاعي الآن، بموجب إجراء إداري، المصير ذاته الذي عاشته العديد من شخصيات رواياته: حياة بلا هوية رسمية.

امتد تأثير الرفاعي عميقًا في المشهد الثقافي العربي؛ إذ يُعدُّ واحدًا من أكثر الأصوات تأثيرًا في الأدب العربي المعاصر. وقد شغل، من بين مهام أخرى، منصب مستشار المجلس الوطني الثقافي للفنون والآداب في الكويت لسنوات طويلة حتى عام 2018. علاوة على ذلك، ترأس في عام 2010 لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، وأسس في عام 2015 "الملتقى الثقافي" و"جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية".

موجة تضامن عربية

أثارت أنباء تجريد الرفاعي من جنسيته موجة تضامن غير مسبوقة؛ إذ طالب الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب السلطات الكويتية بالتراجع عن هذا القرار. وجاء في عريضة تضامن وقّعها عشرات الأكاديميين والمترجمين والكتاب العرب والأوروبيين: "إن نبأ سحب الجنسية من الرفاعي أثار صدمةً وحزنًا عميقين في أوساط الدراسات العربية في أوروبا والعالم العربي، على حد سواء، نُقدّر موهبته كروائي بارع وشخصية ذات قيم إنسانية نبيلة، وهو من أبرز المثقفين الكويتيين".

وعبّر مثقفون على منصات التواصل الاجتماعي عن غضبهم العارم، كما وثّق ذلك تقرير نشرته موقع قناة "التلفزيون العربي"، إذ كتب الناقد الأدبي العراقي المرموق عبد الله إبراهيم على فيسبوك: "لم أعرف مواطنًا يحب وطنه قولًا وفعلًا مثل طالب الرفاعي". وتساءل الروائي الجزائري واسيني الأعرج بأسى: "كيف يصبح المواطن الأصيل بلا وطن؟". وأضاف الشاعر اللبناني عبده وازن: "تستحق أيها الكبير هوياتنا العربية كلها".

التاريخ من الأسفل وإشكالية "الهوية المرنة"

تؤكد حالة أخرى الفرضية القائلة إن عمليات تجريد الجنسية تبدو مستهدِفةً بشكل مباشر المثقفين الذين يعبرون عن آراء نقدية واجتماعية، إذ طالت مراسيم منتصف يونيو/حزيران أيضًا المؤرخ هشام العوضي، الأستاذ في الجامعة الأمريكية بالكويت.

ويُعرف العوضي بأعماله الجريئة في تدوين "التاريخ من الأسفل" في الكويت، ونجح من خلال مؤلفات مثل "تاريخ العبيد في الخليج العربي" (2021) و"تاريخ الكويت المنسي" (2025)، في إخراج العمال والنساء من ظلال التاريخ الرسمي النخبوي السائد.

 وقد جاء رد الفيلسوف والمفكر المصري يوسف زيدان حادًا على تجريد زملائه من جنسياتهم؛ إذ يرى زيدان أن مكانة الأمم تُقاس أيضًا برأس المال الرمزي الذي يساهم فيه مفكروها ورموزها الثقافيون الأساسيون.

Remote video URL

Here you can access external content. Click to view.

برنامج "نيوز زووم" عبر دويتشه فيله عربي يستضيف المحلل الكويتي علي الفضالة، والباحثة في جامعة زيغن الألمانية جيهان أبو زيد حول خلفيات وتداعيات سحب الجنسية في الكويت. (17 يونيو/حزيران 2026)

وأشار إلى أن المجتمعات التي تنبذ مثقفيها إنما تسلب نفسها هويتها الحضارية، معتبرًا أن سحب الجنسية بعد مرور أجيال متعاقبة على عملية تجنيس يُزعم أنها "تمت بالخطأ"، يطرح أسئلة جوهرية حول معايير الانتماء والمواطنة في منطقة الشرق الأوسط.

تسلط حالة الرفاعي الضوء، في نهاية المطاف، على مشكلة هيكلية تعاني منها العديد من الأنظمة القانونية في العالم العربي؛ حيث لا تُفهم المواطنة في مواضع كثيرة بوصفها حقًا أساسيًا غير قابل للتصرف، بل كـ "امتياز مرن" يمكن للسلطة التنفيذية سحبه بموجب قرارات سياسية ودون رقابة قضائية عادلة.

ولكن في الوقت نفسه، تؤكد هذه التطورات أنه وإن كانت الحكومات والسلطات تملك القوة لإلغاء جوازات السفر والوثائق والشهادات الإدارية بجرة قلم، فإنها تعجز تمامًا عن محو ارتباط هؤلاء الكتاب بوطنهم من ثنايا أعمالهم. فالأدب عصيٌّ على التجريد من الجنسية.

قنطرة ©