نحو معيار جديد للحرية

Mehrere Personen schauen sich Bücher an, im Vordergrund ein Bücherregal.
لم يعد الوضع كئيبًا كما كان في السابق: معرض دمشق للكتاب، فبراير/شباط 2026. (Photo: picture alliance / AP | Ghaith Alsayed)

نظّمت سوريا، في فبراير/شباط المنقضي، أول معرض دولي للكتاب منذ سقوط الأسد، في حدث تاريخي قد يشكّل معيارًا جديدًا تُقاس على أساسه الحكومة وسياساتها الثقافية.

تقرير: شتيفان فايدنر

تبدو الوتيرة التي تسعى بها الحكومة الانتقالية السورية إلى إعادة البلاد المنكوبة إلى مسارها الطبيعي مذهلة، ففي يناير/كانون الثاني الماضي، تبادلت الجماعات الكردية المسلحة والجيش السوري الجديد نيران المدفعية وسط مدينة حلب، وبعد أقل من شهر، أصبح دمج هذه الجماعات في الجيش أمرًا واقعًا، كما انضمت البلاد إلى التحالف الدولي ضد داعش - برئاسة الجهادي السابق أحمد الشرع.

وفي خضم هذه التحولات، وفي خضمّ هذه التحولات، شهدت العاصمة دمشق، في الفترة بين 6 و16 فبراير/شباط، معرضًا دوليًا للكتاب، في أول حدث ثقافي كبير منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. وكانت مثل هذه المعارض، في عهد الأسد، فعاليات باهتة تخضع لرقابة مشددة وتفتقر إلى الحيوية والجاذبية.

سيُذكر معرض الكتاب لعام 2026، بوصفه لحظة يقظة وأمل ولمّ شمل، إذ أتاح شراء معظم الكتب بأسعار معقولة، ووضع معيارًا جديدًا على صعيد سهولة الوصول والانتشار والحرية الفكرية، وهو معيار ستُقاس عليه سياسات الحكومة الثقافية مستقبلًا.

استُثمر نحو خمسة ملايين دولار من الميزانية الرئاسية مباشرة في تنظيم المعرض، وكانت قطر والسعودية ضيفتي الشرف، وهما من أبرز داعمي الحكومة الجديدة سياسيًا وماليًا. وفي موقع المعرض على الطريق السريع المؤدي إلى المطار، أضفت قطر أجواءً نابضة بالحياة؛ إذ قدّمت الفرق الشعبية أغانٍ تراثية من منطقة الخليج، ترافقها عروض متنوعة أُقيمت على خشبات المسرح.

Musicians play instruments in front of an exhibition centre.
الفولكلور والتأثير: موسيقيون من قطر في معرض دمشق للكتاب، 9 فبراير/شباط. (Photo: picture alliance / Sipa USA | StringersHub)

ووسط هذا الطابع الفلكلوري، كان من السهل التغاضي عن حقيقة أن نفوذ قطر في سوريا، كما هو الحال في أماكن أخرى، يتجلى بوضوح في المجال الثقافي، وهذا التأثير لا يتخذ بالضرورة طابعًا إسلامويًا كما يفترض بعض منتقدي الإسلام، بل يظهر في مجالات الإعلام وإنتاج المعرفة.

وأطلقت قطر، بمشاركة باحثين غربيين بارزين، في ديسمبر/كانون الأول، أول معجم تاريخي للغة العربية تحت اسم "معجم الدوحة التاريخي"، أمّا المشروع الكبير المقبل فهو إعداد موسوعة عربية شاملة تحمل اسم "أرابيكا"، على غرار موسوعات عصر التنوير الأوروبية، ويأتي ذلك في وقت تقلّص فيه دول أوروبية والولايات المتحدة موازنات الثقافة لصالح زيادة الإنفاق الدفاع، يستثمر القطريون في ما يُعرف بالقوة الناعمة، أو ما يمكن تسميته بـ"العروبة الناعمة" (Soft Pan-Arabism).

المعرض كأداة دعائية؟

يمثل معرض الكتاب في سوريا ساحة اختبار مثالية؛ فالبلاد تبحث عن هوية جديدة، إذ تتكوّن الحكومة من إسلاميين وجهاديين سابقين، في حين أن غالبية السوريين ليسوا كذلك، رغم أن السنّة المحافظين يشكّلون الأكثرية.

غير أن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تقوم على راية الإسلاميين وحدهم، ففي مواجهة التهديدات الخارجية، شكّل الأكراد والمسيحيون والدروز والعلويون، إضافةً إلى سوريين في المنفى، جبهة غير رسمية للتصدي لأيّ تمدد إسلاموي محتمل، وحتى الآن، تبدو هذه الجبهة ناجعة؛ إذ لا توجد في سوريا مؤشرات واضحة على إسلاموية سلطوية، كفرض الحجاب الإلزامي أو حظر الكحول.

وسادت حرية الرأي في المعرض، ولم تُسجَّل حالات رقابة حكومية أو دينية، كما أكد نقاد مشاركون، غير أن هذه الحرية الجديدة أثارت، على نحوٍ مفارِق، حيرة بعض المراقبين الغربيين والعلمانيين.

إذ جرى التشكيك على وسائل التواصل الاجتماعي في أول معرض كتاب حرّ في سوريا ووصمه بأنه أداة دعاية إسلاموية. وانتشرت مقاطع فيديو على فيسبوكوإنستجرام، تزعم وصول "ثلاثين طنًا من الأدبيات الإسلامية" إلى البلاد من السعودية، وعرض كتب "خطيرة"، بينها مؤلفات سيد قطب، المنظّر البارز لجماعة الإخوان المسلمين الذي أُعدم في مصر عام 1968، مثل تفسيره القرآني الذي ألفه في السجن، أو بيانه المناهض للغرب "معالم في الطريق".

غير أن الاعتقاد بأن مجرد عرض هذه الكتب قد يحوّل السوريين إلى إسلامويين يبدو ساذجًا، بقدر سذاجة الاعتقاد بأن حظرها سيحصّن المجتمع منها، فهذه العناوين متاحة منذ سنوات عبر الإنترنت دون قيود. كما أن الكلاسيكيات الإسلامية، مثل مؤلفات ابن تيمية الذي كثيرًا ما يواجه انتقادات حادّة من منتقدي الإسلام، كانت دائمًا حاضرة في معارض الكتب العربية.

فصل الدولة عن الدين

قاطع كثير من السوريين المعرض على خلفية انعدام الثقة الذي غذّته وسائل التواصل الاجتماعي، كما يستبعد عدد كبير من اللاجئين السوريين في الوقت الراهن حتى فكرة العودة المؤقتة إلى البلاد، ولا تزال صدمات الماضي حاضرة، وهو أمر مفهوم.

ومع ذلك، برزت مواقف كان لها وقعٌ مؤثّر؛ إذ عاد بعض السوريين من المنفى خصيصًا للمشاركة في المعرض، والمساهمة في واقع البلاد بروح تنويرية وديمقراطية، من بينهم ناشرون وشعراء وناشطون وأكاديميون، مثل الشاعرين المعروفين بلهجتهما النقدية الحادة غيّاث المدهون ورامي العاشق القادمين من ألمانيا، كما كانت دار "المتوسط" حاضرة في المعرض، وهي أبرز دار نشر سورية في المنفى وإحدى أكثر دور النشر العربية ابتكارًا.

وتناول الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري المعارض وأحد أبرز الشخصيات الفكرية المشاركة في المعرض برهان غليون، على منصة المعرض قضية سياسات الهوية الشديدة الحساسية في سوريا، داعيًا إلى فصلٍ واضح بين الدولة والدين، وكذلك بين الدولة وسياسات الهوية. ويبدو هذا الطرح، في بعض جوانبه، أكثر تقدمًا من مواقف عدد من الساسة الغربيين المعاصرين. وحاوره الأكاديمي السوري-الألماني حسام الدين درويش، أحد الوجوه البارزة في مشروع "أرابيكا" والمفكر في مجال القوة الناعمة العربية.

أين أوروبا؟

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، الذي دعا مجموعة من الصحفيين إلى عشاء بعد زيارتهم للمعرض: "يجب إعادة بناء مشهدنا الإعلامي الحيوي"، لكن السؤال المطروح هو: من سيموّل ذلك؟ 

حاليًا، يأتي الجزء الأكبر من التمويل من قطر، التي تسترشد في سياسات الإعلام بمركز أبحاث عزمي بشارة، الحاصل على الدكتوراه في برلين الشرقية عام 1986، والذي شغل سابقًا منصب عضو عربي في الكنيست الإسرائيلي.

وتساءل الوزير، الذي كان يرأس قناة سوريا الفضائية في المنفى، عن سبب ابتعاد الألمان والأوروبيين عمومًا عن الانخراط الفاعل في هذا المجال. وقال: "من السهل الشكوى من نفوذ دول الخليج، لكن الغرب يتجنب تحمّل التكاليف والجهد".

ورغم استمرار مؤسسات مثل أكاديمية دويتشه فيلله في تقديم تدريبات إعلامية، يبقى السؤال: هل هذا كافٍ؟ مستقبل سوريا ما يزال مفتوحًا، ومن ينخرط اليوم قد يسهم في رسم ملامحه. لكن إلى متى سيبقى هذا الهامش متاحًا؟ لا أحد يعلم. غير أن أمرًا واحدًا يبدو واضحًا: سيُقاس نجاح معرض دمشق القادم، وربما نجاح التجربة السورية برمتها، بمدى صلابة هذه البداية في عام 2026.

 

ترجمه من الإنجليزية: م. تايلور

قنطرة ©